أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها..
[الرعد: 17] يعني: كل واد يحوي من الماء على قدر اتساعه
فاحتمل السيل زبدا رابيا
[الرعد: 17]. والزبد هو القش والفتات الذي يحمله الماء، وهو تافه لا نفع فيه، يأتي الهواء فيزيحه هنا وهناك، وتبقى صفحة الماء نقية لينتفع الناس به. ومعنى رابيا: طافيا على السطح، وفي هذا إشارة إلى أن الباطل لا نفع فيه، ولا بقاء له مهما علا، وأن وجوده كوجود هذا الغثاء، الذي لا قيمة له، ولا فائدة منه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي... ﴾.
34.50
نلحظ أنه صلى الله عليه وسلم نسب الضلال إن حدث إلى النفس، ولكنه صلى الله عليه وسلم نسب الهداية إلى الله وإلى الوحي المنزل عليه لأن الله إذا أنزل منهجا هاديا لإنسان مختار، ومجال الاختيار أن توجد بدائل يختار العقل منها لأن العقل لا مهمة له في الأمر الواحد الذي ليس له بديل، فمثلا: تقول أريد أن أسافر إلى الفيوم، فلا تجد إلا طريقا واحدا، فلا عمل للعقل والاختيار هنا، لكن تقول: أريد أن أسافر إلى الإسكندرية، فتجد طريقين: الزراعي وصفته كذا وكذا ومميزاته كذا وكذا، والصحراوي وصفته كذا ومميزاته كذا. والله تعالى خلق كونه كله مختارا، إلا في الأمور القضائية القدرية، فقد جعلها الله قهرية لا اختيار للإنسان فيها لأن تدخله فيها يفسدها. ولا تظن أنك وحدك مختار في الكون، فكل ما حولك من السماء والأرض مختار أيضا، إلا أن السماء والأرض والجبال اختاروا مرة واحدة، ثم سحبوا اختيارهم الكلي على كل الجزئيات التي تأتي بعد، واقرأ في ذلك قوله تعالى:
إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]. فالجمادات اختارت من البداية أن تكون مقهورة لله عز وجل، وأبت تحمل هذه الأمانة، أما الإنسان فتحملها وقال: أستطيع بعقلي أن أختار بين البدائل، وفاته أنه أدرك وقت التحمل، ولم يدرك وقت الأداء، وما يطرأ عليه من عوارض وشهوات ووسوسة شيطان.. إلخ لذلك وصفه الحق سبحانه بأنه كان ظلوما جهولا، يعني: ظلوما لنفسه، جهولا بالعواقب. والمنهج الذي وضعه الحق سبحانه منهج عام، وضع للمؤمن وللكافر، فالله هدى ودل الجميع إلى طريق الخير، وترك الجميع مختارا، فمنهم من اختار شهوات نفسه في الدنيا، ورأى أن يتمتع بها، ويحدث ما يحدث بعد ذلك، ومنهم من تأمل هذا المنهج، فوجده من مطاع بمعجزة، وهذه المعجزة خرقت نواميس الكون، فهو - إذن - منهج من عليم قادر وإله أعلى، اختار هذا المنهج لصلاح الخلق. والإنسان عموما يحب الخير لنفسه، لكن يختلف الناس في فهمهم للخير لذلك يقول سبحانه:
ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان الإنسان عجولا
[الإسراء: 11]. ويقول سبحانه:
سأوريكم آياتي فلا تستعجلون
[الأنبياء: 37]. وكأن الحق سبحانه يقول للإنسان: لا تعجل في دعائك، وارض بما اختاره لك لأن حكمك وفهمك للخير على قدر علمك بالخير، لكن أعلم منك به، وأعلم منك باستقبالك لهذا الخير وأثره فيك. لذلك قلنا: إننا نسمع كثيرا من يقول: أنا أصلي وأسير على منهج الله، ومع ذلك دعوت فلم يستجب لي، نقول: لأنك دعوت بالخير بفهمك أنت للخير، لكن ربك أعلم منك بالخير لك لذلك لم يجب دعاءك.
وكثيرا أيضا ما نسمع أما تدعو على ولدها الوحيد في ساعة غضب تقول: إلهي أشرب نارك، إلهي يجيينى خبرك بالله، لو أن الله أجاب دعاءها، ماذا كانت تقول في ربها؟ إذن: عدم إجابة الله لك فيما تدعو أحيانا هو عين الخير لك، لأنه يعلم حمق دعائك، وهو رب لا يرضى لك بآثار هذا الحمق لذلك يعدل لك ما أخطأت فيه. أمر آخر في هذه المسألة، فقد يكون الدعاء بخير حقيقي، لكن جاء هذا الدعاء من غير مضطر، إنما جاء كما نقول بغددة، والحق تبارك وتعالى وعد بإجابة المضطر إذا دعاه، فقال سبحانه: