تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولأصلبنكم في جذوع النخل

[طه: 71] البعض قال أي: على جذوع النخل، وهذا فهم غير دقيق عن الله لأن في هنا تعطيني المعنيين: معنى على ومعنى في. فالتصليب صلب شيء على شيء، وهذا المعنى تؤديه على، لكن فيه قصور، فإن أردت على فحسب، فينبغي أن تقول: لأصلبنكم على جذوع النخل تصليبا قويا، بحيث تدخل أجزاء المصلوب في المصلوب عليه. إذن: المعنى الكامل للتصليب لا تؤديه إلا في. خذ مثلا عود كبريت وضعه على يدك، أو على أصبعك، والفف عليه خيطا خفيفا، في هذه الحالة الخيط فقط يثبت العود، أما إذا شددت عليه الخيط بقوة، فإن العود يدخل في الجلد حتى يكاد يختفي بداخله، هذا هو التصليب المراد أن تشد المصلوب على المصلوب عليه بقوة بالمسامير أو الحبال أو نحوه. لذلك قال سبحانه:

في جذوع النخل..

[طه: 71] ولم يقل على جذوع النخل لأن في أدت معنى الاستعلاء والظرفية معا. كذلك في ﴿ وما يعرج فيها.. ﴾ [سبأ: 2] ولم يقل: وما يعرج إليها لأن إلى لا تؤدي المعنى المطلوب، ف إلى تدل على الغاية، كما تقول: سافرت من القاهرة إلى الإسكندرية. والسماء ليست هي غاية صعود الكلم الطيب، إنما غايته ومنتهاه إلى الله عز وجل، وما السماء إلا طريق يوصل إلى المنتهى الأعلى، وسبق أن قلنا: إن السماء هي كل ما علاك. وهذا المعنى لحرف الجر واضح كذلك في قوله تعالى:

وسارعوا إلى مغفرة من ربكم..

[آل عمران: 133] فاستخدم إلى لأن المغفرة هي غاية ما يسعى إليه المؤمن ويسارع. وقال:

أولئك يسارعون في الخيرات..

[المؤمنون: 61]. ولم يقل: إلى الخيرات لأن الخيرات ليست هي الغاية، إنما هي مراتب يترقى فيها المؤمن ويتعالى، كلما وصل إلى خير تطلع إلى أخير منه، فكأن الخيرات ظرف يسير فيه لا إليه. كذلك لما تكلم الحق سبحانه عن الذين كذبوا الرسل، قال:

فردوا أيديهم في أفوههم..

[إبراهيم: 9]. البعض يقول: أي: إلى أفواههم، لا لأن في تحمل معنى المبالغة في رد المنهج الذي جاء به الرسل، فالمعنى أن الرسل حينما جاءوا بالمنهج لم يقبله المكذبون وقالوا لهم: وفروا عليكم كلامكم، يعنى: لن يجدي معنا شيئا، وجعلوا أيديهم داخل الأفواه، وعضوا عليها من الغيظ مما سمعوا من الرسل، وهذا المعنى لا تؤديه لفظة: إلى أفواههم. ثم هو سبحانه: ﴿ وهو الرحيم الغفور ﴾ [سبأ: 2] صفة الرحيم أي: الذي يمنع وقوع الضر بداية، كما قال سبحانه:

وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين..

[الإسراء: 82]. كلمة ﴿ شفآء.. ﴾ [الإسراء: 82] تعني: أنه أصابك مرض نشأ من الغفلة، فجاء القرآن ليذكرك وينبهك ويشفي نفسك من هذه الغفلة، فإن لم توجد الغفلة كان القرآن رحمة تمنع حدوث الداء من البداية. و رحيم صيغة مبالغة من الرحمة. كذلك ﴿ الغفور ﴾ [سبأ: 2] صيغة مبالغة من المغفرة، والحق سبحانه كثيرا ما يؤكد على هذه الصفة لأنه سبحانه خلق الإنسان، ويعلم أنه لن يسير دائما على الصراط المستقيم، ولا بد أن ينحرف يوما ما عن المنهج القويم لذلك قال

يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير..

[المائدة: 15]. وقلنا: إنه لولا صفة الرحمة والتوبة والمغفرة لتمادى المذنب في الذنوب، ويئس أن يعود إلى الطريق المستقيم، وهذا الذي أسميناه فاقد وبه يشقى المجتمع كله، لكن إن عرف أن له ربا يغفر الذنب ويقبل التوبة، فإنه يقبل عليها ويتوب ولم لا، وقد تكفل الله له بمغفرة ذنوبه إن تاب وأناب؟ إذن: شرع الله التوبة ليرحم الخلق ليرحم الخلق كلهم، ويقدم لهم جميلا، فحين يتوب على المذنب يرحم المجتمع من شره، ويرحمه هو من آثار ذنوبه لذلك يقول تعالى:

ثم تاب عليهم ليتوبوا..

[التوبة: 118] أى: شرع لهم التوبة ليفتح لهم مجال التراجع وطريق العودة إلى الله، حتى لا يكون هناك شراسة وتماد في الشر، ولا ينقلب المذنب إلى طاغوت. وحين نتأمل قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٣٦