كن فيكون
[آل عمران: 47] ما قال كن إلا لأنه سبحانه يعلم أنه لا يستطيع ألا يكون، والدليل قوله تعالى عن الأرض
وأذنت لربها وحقت
[الانشقاق: 2] أي: أصغت السمع، وحق لها ذلك، فما قال سبحانه لشيء كن إلا وهو واثق أنه لا يخرج عن أمره. لذلك سبق أن قلنا: إن الحق سبحانه حين طلب منا أن نشهد أنه لا إله إلا هو شهد بها لنفسه أولا، فقال:
شهد الله أنه لا إله إلا هو..
[آل عمران: 18] وهذه شهادة الذات للذات، ولذلك تصرف سبحانه في الملك تصرف من لا شريك له، فلم يقل شيئا أو يحكم حكما، ثم خاف أن ينقضه أحد أو يعدله. ثم شهدت بذلك الملائكة، ثم شهد بذلك أولو العلم من عباده
شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط..
[آل عمران: 18]. فشهادة الله شهادة الذات للذات، وشهادة الملائكة شهادة المشهد، وشهادة أولي العلم شهادة العلم والدليل. ونلحظ أيضا أن الحق سبحانه قال: ﴿ الذي له ما في السموت وما في الأرض.. ﴾ [سبأ: 1] فكرر الاسم الموصول ما ولم يقل له ما في السماوات والأرض، كما جاء في قوله سبحانه في التسبيح: مرة:
يسبح لله ما في السموت وما في الأرض..
[الجمعة: 1]. ومرة:
يسبح له ما في السموت والأرض..
[الحشر: 24]. وفرق بين التعبيرين لأن هناك خلقا مشتركا بين السماء والأرض، وهناك خلق خاص بالسماء، وخلق آخر خاص بالأرض، فإن أراد الكل قال:
ما في السموت والأرض..
[الحشر: 24]، وإن أراد الاختلاف كلا في جهته، قال ﴿ ما في السموت وما في الأرض.. ﴾ [سبأ: 1]. والسماوات والأرض ظرف لما فيهما من خيرات، والذي يملك الظرف والمكان يملك المظروف فيه، فالحيز هنا مشغول. ثم يقول سبحانه تذييلا لهذه الآية ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ [سبأ: 1] الحكيم: هو الذي يضع الشيء في مكانه وموضعه المناسب، ولا يتأتى هذا إلا لخبير يعلم الشيء، ويعلم موضعه الذي يناسبه لذلك قال سبحانه ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ [سبأ: 1] الذي لديه خبرة بدقائق الأشياء وبواطنها. ثم أراد سبحانه أن يعطينا نموذجا لهذه الحكمة ولهذه الخبرة، فقال سبحانه: ﴿ يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها... ﴾.