تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحمد لله فاطر السموت والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشآء..

[فاطر: 1]. نحمد الله على القيم، وعلى المنهج الذي وضعه لنا الحق سبحانه بواسطة الملائكة، والملائكة هم رسل الله إلى الخلق، ومنهم الحفظة، ومنهم المدبرات أمرا التي تدبر شئون الخلق، ومنهم من أسجدهم الله لك. ثم جاءت أم الكتاب، فجمعت هذا كله في:

الحمد لله رب العالمين

[الفاتحة: 2] والرب هو الخالق الممد

الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين

[الفاتحة: 3-4] أي: في الآخرة، ثم ذكرت وجوب السير على المنهج

إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين

[الفاتحة: 5-7]. ولأنها جمعت البداية والنهاية، والدنيا والآخرة سميت فاتحة الكتاب، وسميت المثاني، وسميت أم القرآن. فقوله تعالى: ﴿ الحمد لله.. ﴾ [سبأ: 1] علمنا الله تعالى أن نقولها لأن الناس مختلفون في المواهب، وفي الملكات، وفي حسن الأداء، وفي صياغة الثناء، فلا يستوي في الحمد والثناء الأديب والأمي الذي لا يجيد الكلام لذلك قال الله لنا: أريحوا أنفسكم من هذه المسألة، وسوف أعلمكم صيغة يستوي فيها الأديب الفيلسوف مع راعي الشاة، وسوف تكون هذه الصيغة هي أحب صيغ الحمد إلي، هذه الصيغة هي ﴿ الحمد لله.. ﴾ [سبأ: 1]. لذلك جاء في الحديث قول سيدنا رسول الله في حمد ربه، والثناء عليه: " سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك " فحين أقول خطبة طويلة في حمد الله والثناء عليه، وتقول أنت: الحمد لله لا أقول لك قصرت في حمد ربك، وكأن هذه الصيغة وتعليمها لنا نعمة أخرى تستحق الحمد لأنها سوت الجميع، ولم تجعل لأحد فضلا على أحد في مقام حمد الله والثناء عليه.

وحين تحمد الله على أن علمك هذه الصيغة، بماذا تحمده؟ تحمده بأن تقول الحمد لله. إذن: هي سلسلة متوالية من الحمد لا تنتهي، الحمد لله على الحمد لله، ومعنى ذلك أن تظل دائما حامدا لله، وأن يظل الله تعالى دائما وأبدا محمودا. كما قلنا: إن اختلاف المواقيت في الأرض واختلاف المشارق والمغارب إنما جعلت لتستمر عبادة الله لا تنقطع أبدا في كل جزئيات الزمن، ففي كل لحظة صلاة، وفي كل لحظة الله أكبر، وفي كل لحظة أشهد ألا إله إلا الله، وفي كل لحظة أشهد أن محمدا رسول الله... إلخ لتظل هذه الألفاظ وهذه العبادات دائرة طوال الوقت، فالكون كله يلهج بذكر الله وعبادة الله في منظومة بديعة، المهم من يحسن استقبالها، المهم صفاء جهاز الاستقبال عندك. وقوله سبحانه ﴿ وله الحمد في الآخرة.. ﴾ [سبأ: 1] بينا أن الحمد في الآخرة أكبر وأعظم من الحمد في الدنيا لأنك في الدنيا تعيش بالأسباب، أما في الآخرة فتعيش مع ذات المسبب سبحانه، في الدنيا نعيم موقوت، وفي الآخرة نعيم باق، في الدنيا فناء، وفي الآخرة بقاء لذلك قال سبحانه عن الآخرة:

وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين

[يونس: 10]. وقال سبحانه حكاية عن المؤمنين في الآخرة:

وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء فنعم أجر العاملين

[الزمر: 74]. وقالوا:

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله..

[الأعراف: 43]. فإن قلت: فما وجه الحمد في أن الله تعالى يملك السماوات والأرض؟ نقول: فرق بين أن يخدمك في الكون ما لا تملك، وبين أن يخدمك ما تملك، فالعظمة هنا أنك تنتفع هنا بما لا تملك، فالسماوات والأرض ملك لله، ومع ذلك هي في خدمتك أنت، وليست العظمة من أن يخدمك ما تملكه. لذلك قالوا لأحد الناس: لماذا لا تشتري لك سيارة؟ قال: والله الإخوان كثيرون، وكلهم عندهم سيارات، وكل يوم أركب سيارة واحد منهم، ولا يغرمني هذا شيئا. إذن: انتفاعك بما يملك الغير أعظم من انتفاعك بما تملك أنت، وملك الله جعل لصالحنا نحن، وهذه تستحق الحمد، فاللهم لا تحرمنا نعمك. ملحظ آخر أن الحق سبحانه يريد أن يطمئن العباد، فملك السماوات والأرض لله وحده، ولو كانت لغيره لمنعنا منها، فكأن ربك يقول لك: اطمئن فهذا ملكي وأنا ربك ولن أتخلى عنك أبدا، وليس لي شريك ينازعني، فيمنع عنك خيراتي، فأنا المتفرد بالملك والسلطان. لذلك، فالحق سبحانه حين يقول للشيء:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٣٣