تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقرآنا فرقناه..

[الإسراء: 106] يعني: أنزلناه مفرقا لم ينزل مرة واحدة كالكتب السابقة عليه، وللحق - تبارك وتعالى - حكمة في إنزال القرآن مفرقا، حيث يعطي الفرصة لكل نجم ينزل من القرآن أن يستوعبه الناس لأنه يرتبط بحادثة معينة، كذلك ليحدث التدرج المطلوب في التشريعات. يقول تعالى:

وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا

[الإسراء: 106]. لقد كان المسلمون الأوائل في فترة نزول القرآن كثيري الأسئلة، يستفسرون من رسول الله عن مسائل الدين، كما قال تعالى:

يسألونك عن الأهلة..

[البقرة: 189]

يسألونك عن الخمر والميسر..

[البقرة: 219]

يسألونك عن الأنفال..

[الأنفال: 1] فكان النجم من القرآن ينزل ليجيب عليهم ويشرع لهم، وما كان يتأتى ذلك لو نزل القرآن جملة واحدة. وكلمة: ﴿ نزل الفرقان.. ﴾ [الفرقان: 1] تؤيد هذا المعنى وتسانده لأن نزل تفيد تكرار الفعل غير " أنزل " التي تفيد تعدى الفعل مرة واحدة.

وقوله تعالى: ﴿ على عبده.. ﴾ [الفرقان: 1] كأن حيثية التنزيل عليه هي العبودية لله تعالى، فهو العبد المأمون أن ينزل القرآن عليه. وسبق أن قلنا: أن العبودية لفظ بغيض إن استعمل في غير جانب الحق سبحانه، أما العبودية لله فهي عز وشرف ولفظ محبوب في عبودية الخلق للخالق لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خير عبده، أما العبودية لله فيأخذ العبد خير سيده. لذلك جعل الله تعالى العبودية له سبحانه حيثية للارتقاء السماوي في رحلة الإسراء، فقال:

سبحان الذي أسرى بعبده..

[الإسراء: 1] فالرفعة هنا جاءت من العبودية لله. ثم يقول سبحانه: ﴿ ليكون للعالمين نذيرا ﴾ [الفرقان: 1] العالمين: جمع عالم، والعالم ما سوى الله تعالى، ومن العوالم: عالم الملائكة، عالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الجماد، إلا أن بعض هذه العوالم لم يأتها بشير ولا نذير لأنها ليست مخيرة، والبشارة والنذارة لا تكون إلا للمخير. يقول تعالى:

إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا

[الأحزاب: 72]. فإن عزلت من هذه العوالم من ليس له اختيار، فيتبقى منها: الجن والإنس، وإليهما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا، لكن لماذا قال هنا ﴿ ليكون للعالمين نذيرا ﴾ [الفرقان: 1] ولم يقل: بشيرا ونذيرا؟ قالوا: لأنه سبحانه سيتكلم هنا عن الذين خاضوا في الألوهية، وهؤلاء تناسبهم النذارة لا البشارة لذلك قال في الآية بعدها: ﴿ الذي له ملك السماوات والأرض... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٩٧