25.63
يعطينا الحق - تبارك وتعالى - صورة للعبودية الحقة، ونموذجا للذين اتبعوا المنهج، كأنه - سبحانه وتعالى - يقول لنا: دعكم من الذين أعرضوا عن منهج الله وكذبوا رسوله، وانظروا إلى أوصاف عبادي الذين أمنوا بي، ونفذوا أحكامي، وصدقوا رسولي. نقول: عباد وعبيد. والتحقيق أن عبيد جمع لعبد، وأن عباد جمع لعابد مثل: رجال جمع راجل:
وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا..
[الحج: 27] إذن: عبيد غير عباد. وسبق أن تحدثنا عن الفرق بين العبيد والعباد، فكلنا عبيد لله تعالى: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فما دام يطرأ عليه في حياته ما لا يستطيع أن يدفعه مع أنه يكرهه فهو مقهور، فالعبد الكافر الذي تمرد على الإيمان بالله، وتمرد على تصديق الرسول، وتمرد على أحكام الله فلم يعمل بها. فهل بعد أن ألف التمرد يستطيع أن يتمرد على المرض إن أصابه؟ أو يستطيع التمرد على الموت إن حل بساحته؟ إذن: فأنت عبد رغما عنك، وكلنا عبيد فيما نحن مقهورون عليه، ثم لنا بعد ذلك مساحة من الاختيار. أما المؤمن فقد خرج عن اختياره الذي منحه الله في أن يؤمن أو يكفر، وتنازل عنه لمراد ربه، فاستحق أن يكون من عباد الله ﴿ وعباد الرحمن.. ﴾ [الفرقان: 63] فنحن وإن كنا عبيدا فنحن سادة لأننا عبيد الرحمن لذلك كانت حيثية تكريم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في الإسراء هي عبوديته لله تعالى، حيث قال:
سبحان الذي أسرى بعبده..
[الإسراء: 1]، فالعبودية هي علة الارتقاء. فلما أخلص رسول الله العبودية لله نال هذا القرب الذي لم يسبقه إليه بشر. لذلك وصف الملائكة بأنهم
عباد مكرمون
[الأنبياء: 26] وباستقراء الآيات لم نجد سوى آية واحدة تخالف في ظاهر الأمر هذا المعنى الذي قلناه في معنى العباد، وهي قوله تعالى في الكلام عن الآخرة:
أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء..
[الفرقان: 17]. فقال للضالين عبادي وهي لا تقال إلا للطائعين، لماذا؟ قالوا: لأن في القيامة لا اختيار لأحد، فالجميع في القيامة عباد، حيث انتفى الاختيار الذي يميزهم. والعلماء يقولون: إن العباد تؤخذ منها العبادية، وأن العبيد تؤخذ منها العبودية: العبادية في العباد أن يطيع العابد أمر الله، وينتهي عن نواهيه طمعا في ثوابه في الآخرة، وخوفا من عقابه فيها، إذن: جاءت العبادية لأخذ ثواب الآخرة وتجنب عقابها. أما العبودية فلا تنظر إلى الآخرة، إنما إلى أن الله تعالى تقدم بإحسانه على عبيده إيجادا من عدم، وإمدادا من عدم، وتربية وتسخيرا للكون، فالله يستحق بما قدم من إحسان أن يطاع بصرف النظر عن الجزاء في الآخرة ثوابا أو عقابا. أما العبودة فهي: ألا ينظر العبد إلى ما قدم من إحسان، ولا ما أخر من ثواب وعقاب، وإنما ينظر إلى أن جلال الله يستحق أن يطاع، وإن لم يسبق له الإحسان، وإن لم يأت بعد ذلك ثواب وعقاب.
وإن كانت العبودية مكروهة في البشر كما قال أحد الساسة: متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ ذلك لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خير عبده، أما العبودية لله تعالى فعز وشرف، حيث يأخذ العبد خير سيده، فهي عبودية سيادة، لا عبودية قهر. فحين تؤمن بالله يعطيك الله الزمام: يقول لك: إن أردت أن أذكرك فاذكرني، وفي الحديث القدسي:
" من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ".
وإن كان - سبحانه وتعالى - يستدعيك إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، فما ذلك إلا لتأنس بربك، لكن أنت حر تأتيه في أي وقت تشاء من غير موعد، وأنت تستطيع أن تحدد بدء المقابلة ونهايتها وموضوعها.. إلخ، فزمام الأمر في يدك. وقد تعلم سيدنا رسول الله خلق الله، فكان إذا وضع يده في يد أحد الصحابة يسلم عليه لا ينزع يده منه حتى يكون هو الذي ينزع يده من يد رسول الله، وهذا أدب من أدب الحق - تبارك وتعالى - إذن: فالعبودية لله تعالى عبودية لرحمن، لا عبودية لجبار. وأول ما نلحظ في هذه الآية أنه تعالى أضاف العباد إلى الرحمن، حتى لا نظن أن العبودية لله ذلة، وأن القرآن كلام رب وضع بميزان، ثم يذكر - سبحانه وتعالى - صفات هؤلاء العباد، صفاتهم في ذواتهم، وصفاتهم مع مجتمعهم، وصفاتهم مع ربهم، وصفاتهم في الارتقاء بالمجتمع إلى الطهر والنقاء. أما في ذواتهم، فالإنسان له حالتان هما محل الاهتمام: إما قاعد، وإما سائر، ونخرج حالة النوم لأنه وقت سكون، أما حال القعود فالحركة محدودة في ذاته، والمهم حال الحركة والمشي، وهذا هو الحال الذي ينبغي الالتفات إليه. لذلك يوضح لنا ربنا - عز وجل - كيف نمشي فيقول: ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا.. ﴾ [الفرقان: 63]. يعني: برفق وفي سكينة، وبلين دون اختيال، أو تكبر، أو غطرسة، لماذا؟ لأن المشي هو الذي سيعرضك لمقابلة مجتمعات متعددة، وهذا الأدب الرباني في المشي يحدث في المجتمع استطراقا إنسانيا يسوي بين الجميع. وفي موضع آخر يقول تعالى في هذه المسألة: