تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25.46

الحق - تبارك وتعالى - يبين الحركة البطيئة للظل فيقول: ﴿ قبضا يسيرا ﴾ [الفرقان: 46] لا تدركه أنت أبدا لأن في كل لحظة من لحظات الزمن حركة فلا يخلو الوقت مهما قل من الحركة، لكن ليس لديك المقياس الذي تدرك به بطء هذه الحركة. وقوله: ﴿ قبضناه إلينا.. ﴾ [الفرقان: 46] دليل على أن المسألة ليست ميكانيكا، إنما هي بقيومية الله تعالى لذلك فكأن الحق سبحانه يقول: يا عبادي ناموا ملء جفونكم، فربكم قيوم على مصالحكم لا ينام. وأهل المعرفة يستنبطون من ظاهرة الظل أسرارا، فيرون أن ظل الأشياء الشاهقة المتعالية يخضع لله تعالى، ويسجد على الأرض، رغم أنه متعال شامخ، كما جاء في قوله سبحانه:

ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال

[الرعد: 15]. وقال سبحانه:

كل قد علم صلاته وتسبيحه..

[النور: 41] فللظل حركة بطيئة لا يعلمها إلا الله لأنك لا تدرك مدى صغرها لذلك قلنا في الهباء: إنه نهاية ما يمكن أن يكون من التفتيت المنظور. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وهو الذي جعل لكم اليل لباسا... ﴾.

25.47

﴿ اليل.. ﴾ [الفرقان: 47] يعني: الظلمة لا الظل، فالظلمة هي التي منعت النور، وإياك أن تظن أن الظلمة ضد النور، وتحاول أنت أن تنسخ الظلمة بنور من عندك، وهذه آفة الحضارة الآن أن جعلت الليل نهارا. وقد تنبه العلماء أخيرا إلى مدى ضرر الأشعة على صحة الإنسان، لذلك جاء في الحديث الشريف:

" أطفئوا المصابيح إذا رقدتم "

فالشعاع له عمل وقت حركتك، لكن ساعة نومك وراحتك ليس له مهمة، بل هو ضار في هذا الوقت. والحق - تبارك وتعالى - يمتن علينا بالليل والنهار، فيقول:

قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون

[القصص: 71-72]. إذن: فلليل مهمة، وللنهار مهمة يوضحها هنا الحق سبحانه بقوله: ﴿ وهو الذي جعل لكم اليل لباسا.. ﴾ [الفرقان: 47] أي: ساترا، كما أن اللباس يستر الجسم، والنوم ردع ذاتي يقهر الكائن الحي، وليس ردعا اختياريا. لذلك تلاحظ أنك إن أردت أن تنام في غير وقت النوم تتعب وترهق، أما إن أتاك النوم فتسكن وتهدأ، ومن هنا قالوا: النوم ضيف ثقيل إن طلبته أعنتك، وإن طلبك أراحك. لذلك ساعة يطلبك النوم تنام ملء جفونك، ولو على الحصى يغلبك النوم فتنام، وكأن النوم يقول لك: اهمد واسترح، فلم تعد صالحا للحركة، أما من غالب هذه الطبيعة فأخذ مثلا حبوبا تساعده على السهر، فإن سهر ليلة نام بعدها ليلتين، كما أن الذي يغالب النوم تأتي حركته مضطربة غير متوازنة. فعليك - إذن - أن تخضع لهذه الطبيعة التي خلقك الله عليها وتستسلم للنوم إن ألح عليك، ولا تكابر لتقوم في الصباح نشيطا وتستأنف حركة حياتك قويا صالحا للعمل وللعطاء. وللصوفية في النوم ملحظ دقيق يبنى على أن الكون كله غير المختار مسبح لربه، كما قال تعالى:

كل قد علم صلاته وتسبيحه..

[النور: 41] وعليه، فذرات الكافر في ذاتها مؤمنة، يؤلمها ويغيظها أن صاحبها عاص أو كافر فتطيعه، وهي كارهة لفعله بدليل أنها ستشهد عليه يوم القيامة، فإن كانت مسخرة لمراداته في الدنيا فإنها ستتحرر من هذه الإرادة في الآخرة. فاللسان مسخر لصاحبه، إن شاء نطق به الشهادتين، وإن شاء نطق به كلمة الكفر لأنه مقهور لإرادته، أما في القيامة فلا إرادة إلا للحق تبارك وتعالى. وفي النوم ترتاح هذه الجوارح وهذه الذرات من سيئات صاحبها ومن ذنوبه، تستريح من نكده وإكراهه لها على معصية الله. فالنوم ردع طاقي، فلم يعد الإنسان صالحا للحركة، ولا للتعايش السالم مع جوارحه، لقد كثرت ذنوبه ومعاصيه حتى ضاقت بها الجوارح، فيأتي النوم ليريحها.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٠٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٠٤١