تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25.17

قوله: ﴿ ويوم يحشرهم.. ﴾ [الفرقان: 17] الحشر: جمع الناس أجمعين من لدن آدم - عليه السلام - وإلى أن تقوم الساعة في مكان واحد، ولغاية واحدة، وإذا كنا الآن نضج من الزحام ونشكو من ضيق الأرض بأهلها، ونحن في جيل واحد، فما بالك بموقف يجمع فيه كل الخلائق من آدم إلى قيام الساعة؟ والعبادة: أن يطيع العابد أوامر معبوده، فينبغي أن ننظر في كل من له أمر نطيعه: أهو أمر من ذاته؟ أم أمر مبلغ من أعلى منه: رسول أو إله؟ فإن كان الأمر من ذاته فعليك أن تنظر أهو مباح أم يتعارض مع نص شرعي؟ فإن كان مباحا فلا بأس في إطاعته، أما إن كان مخالفا للشرع فإن أطعته فكأنك تعبده من دون الله. إذن: حينما يأمرك الآمر بالصلاة أو الزكاة أو الصوم فأنت قبل أن تطيعه أطعت من حمله هذه الأمانة، والذين يطيعون من يأمرونهم بأشياء مخالفة لمنهج الله عبدوهم من دون الله، وجعلوهم آلهة مطاعين، كما قال سبحانه في الشياطين:

وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم..

[الأنعام: 121] وآخرون عبدوا الطاغوت، أو عبدوا الشمس، أو القمر، أو النجوم، أو الأصنام والجماد. ومعلوم أن عبادة هذه الجمادات عبادة باطلة خاطئة، فالعبادة إطاعة أمر، وهل للجمادات أمر لأحد؟ إنما العبادة إن صحت بهذا المعنى فتكون لمن يملك أمرا أو سلطة زمنية من الرهبان، أو من الشياطين، أو الملائكة، أو من عيسى عليه السلام حيث قال البعض بألوهيته أو العزير الخ. ودخلت الجمادات مع هؤلاء على سبيل العموم. لذلك يقول تعالى: ﴿ ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله.. ﴾ [الفرقان: 17] يعني: يجمع العابد على الضلال والمعبود على الضلال في مكان واحد معا، لماذا؟ لأن العابد إذا وجد نفسه في العذاب ربما انتظر معبوده أن ينقذه من العذاب، لكن ها هو يسبقه إلى النار ويقطع عنه كل أمل في النجاة. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ﴾ [الفرقان: 17]. والخطاب هنا موجه لمن يعقل منهم، ولا مانع أن يكون للجميع، فنحن نتحدث عن القانون الذي نعرفه، وقد بين لنا الحق - تبارك وتعالى - أن لكل شيء لغة، فلماذا نستبعد أن يكون الخطاب هنا للعاقل ولغير العاقل، بدليل قوله تعالى:

وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم..

[الإسراء: 44]. وقد قال سليمان عليه السلام وهو ممن فقه التسبيح:

رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي..

[الأحقاف: 15] لما سمع النملة تحذر قومها:

ادخلوا مساكنكم..

[النمل: 18] فتبسم سليمان - عليه السلام - لما سمع من النملة وسماه قولا، وفي هذا رد على من يقول: إن التسبيح هنا من النملة تسبيح حال، لا تسبيح مقال.

وهو قول مخالف لنص القرآن الذي قال:

ولكن لا تفقهون تسبيحهم..

[الإسراء: 44] فقد حكم الحق سبحانه بأنك لا تفقه هذا التسبيح، فإن قلت: هو تسبيح دلالة فقد فقهته، وقد حكم سبحانه بعدم فقهك له إلا إذا عرفك الله تعالى، وأطلعك على لغات هذه المخلوقات. ولماذا نستبعد هذه المسألة والعلم الحديث يقرر الآن أن لكل أمة من أمم الموجودات لغتها الخاصة، وألسنا نتحدث الآن فيما بيننا بلغة غير منطوقة، وهي لغة الإشارات التي يتفاهم بها البحارة مثلا؟ فالحق - سبحانه وتعالى - يسأل المعبودين: ﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء.. ﴾ [الفرقان: 17] والله يعلم إن كانوا أضلوهم أم لا لذلك أجاب عيسى - عليه السلام - على مثل هذا السؤال في قوله تعالى:

وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي..

[المائدة: 116]. وسؤال الله للمعبودين تقريع للعابدين أمام من عبدوهم، ولو أن عبادتهم بحق لكان المعبودون دافعوا عن هؤلاء أمام الله لذلك أجاب عيسى عليه السلام:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٠١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٠١١