25.33
المثل مثل قولهم:
لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة..
[الفرقان: 32] أو قولهم:
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31] والمثل: الأشياء العجيبة التي طلبوها. ولو أجابهم الله لما قالوا لأنكروا قولهم وتنصلوا منه، كما قال تعالى عن اليهود:
سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها..
[البقرة: 142] ومع ذلك قالوا ما حكاه القرآن عنهم. أما كان فيهم رجل يتنبه لقول القرآن، فيحذرهم من هذا القول ليوقع رسول الله في حرج، ويظهر القرآن على أنه كذب، ويقول كلاما يخالف الحقيقة، وعندها، لهم أن يقولوا: لقد قال القرآن كذا وكذا ولم يحدث منا هذا؟
25.34
﴿ الذين.. ﴾ [الفرقان: 34] إجمال الأشخاص معروفين بذواتهم، وقفوا من الرسول موقف العداء، ومنهم من سبق أن قال:
يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا
[الفرقان: 27-28]. والحشر: الجمع للحساب، لكن سيحشرون على وجوههم لذلك لما نزلت هذه الآية سألوا رسول الله: كيف يمشون على وجوههم قال صلى الله عليه وسلم:
" الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم ".
فالذي يمشي على وجهه كالذي يمشي على بطنه، ولعله يجر جرا، سواء أكان على وجهه أو على أي شيء آخر، ثم إن الإنسان لا ينبغي له أن يسأل عن أمور هي مناط القدرة المطلقة. والحق - تبارك وتعالى - يوضح هذه المسألة في قوله تعالى:
والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشآء إن الله على كل شيء قدير
[النور: 45]. إذن: المشي لا ينحصر في الحالات التي نعرفها فقط، إنما هي طلاقة القدرة التي تفعل ما تشاء. لكن، لماذا لم يذكر القرآن أسماء هؤلاء الأشخاص الظالمين المعاندين للإسلام؟ قالوا: هذا من باب إرخاء العنان للخصم، وكلمة العنان تأتي بكسر العين وفتحها، واللغويون يقولون: هي على وزن ما هي بمعناه، فإن قصدت بها عنان السماء فهي على وزن سحاب، وإن أردت بها عنان الفرس، فهي على وزن لجام. وراكب الدابة إن أرخى لها العنان تركها تسير كما تشاء، كذلك الحق - تبارك وتعالى - يرخي للخصم العنان ليقول كل ما عنده، وليأخذه إلى جانبه، لا بما يكره، بل بما يحب. وقد علم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم كيف يرد عليهم ويجادلهم الجدل الهادىء بالتي هي أحسن. فحين قالوا عنه مفتر، وعن القرآن مفترى ومكذوب رد عليهم:
أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله..
[يونس: 38]. ثم يترقى في جدالهم:
أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون
[هود: 35] وفي آية أخرى يرد عليهم:
وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين
[سبأ: 24]. وهل النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف من على الهدى ومن على الضلال؟ لا شك أنه إرخاء العنان للخصم، يقول لهم: أنا وأنتم على طرفي نقيض: أنا أقول بإله واحد وأنتم تكذبون قولي، فأنا متناقض معكم في هذه القضية، والقضية لا بد أن تأتي على شكل واحد، فإما أنا على الهدى، وإما أنتم، وأنا لا أدعي الحق لنفسي. إذن: المطلوب أن تعملوا عقولكم لتميزوا من منا على الهدى ومن منا على الضلال، وكأن رسول الله يرتضي حكومتهم في هذه المسألة، وما ترك لهم رسول الله الحكم إلا وهو واثق أنهم لو تجردوا من الهوى لعرفوا أن الحق معه، وأنه على الهدى، وأنهم على الضلال.
إذن: عندما تكلم القرآن عن كفار قريش الذين تعنتوا في اقتراحاتهم، وعاندوا وآذوا رسول الله بكل أنواع الإيذاء، ومع ذلك حينما تكلم عنهم جاء بأسلوب عام فقال: الذين ولم يقل هؤلاء، بل جاء بالقضية العامة ولم يواجههم بالجزاء مما يدل على التلطف في أمر الدعوة، وهذا نوع من استمالة الخصم لنقطع منه شراسة العداء والعناد. لذلك يخاطب الحق - تبارك وتعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم