25.7
عجيب أمر هؤلاء المعاندين: يعترضون على رسول الله أن يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لكسب العيش، فهل سبق لهم أن رأوا نبيا لا يأكل الطعام، ولا يمشي في الأسواق؟ ولو أن الأمر كذلك لكان لاعتراضهم معنى، إذن: قولهم ﴿ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.. ﴾ [الفرقان: 7] قول بلا حجة من الواقع، ليستدركوا بهذه المسألة على رسول الله. فماذا يريدون؟ قالوا: ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ﴾ [الفرقان: 7] صحيح أن الملك لا يأكل، لكن معنى ﴿ لولا أنزل إليه ملك.. ﴾ [الفرقان: 7] يعني: يسانده، وفي هذه الحالة لن يغير من الأمر شيئا، وسيظل كلام محمد هو هو لا يتغير. إذن: لن يضيف الملك جديدا إلى الرسالة.. وعليه، فكلامهم هذا سفسطة وجدل لا معنى له. وكلمة ﴿ فيكون معه نذيرا ﴾ [الفرقان: 7] لم يقولوا بشيرا، مما يدل على اللدد واللجاج، وأنهم لن يؤمنوا لذلك لن يفارقهم الإنذار.
25.8
تلحظ أنهم يتنزلون في لددهم وجدلهم، فبعد أن طلبوا ملكا يقولون ﴿ أو يلقى إليه كنز ﴾ [الفرقان: 8] أي: ينزل عليه ليعيش منه ﴿ أو تكون له جنة يأكل منها ﴾ [الفرقان: 8] أي: بستان ﴿ وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ﴾ [الفرقان: 8]. والمسحور هو الذي ذهب السحر بعقله، والعقل هو الذي يختار بين البدائل ويرتب التصرفات، ففاقد العقل لا يمكن أن يكون منطقيا في تصرفاته ولا في كلامه، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس كذلك، فأنتم تعرفون خلقه وأمانته، وتسمونه " الصادق الأمين " وتعترفون بسلامة تصرفاته وحكمته، كيف تقولون عنه مجنون؟ لذلك يقول تعالى ردا عليهم:
ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم
[القلم: 1-4]. والخلق يسوي تصرفات الإنسان فيجعلها مسعدة غير مفسدة، فكيف - إذن - يكون ذو الخلق مجنونا؟ إذن: ليس محمد مسحورا. وفي موضع آخر قالوا: ساحر، وعلى فرض أنه صلى الله عليه وسلم ساحر، فلماذا لم يسحركم كما سحر المؤمنين به؟ إنه لجج الباطل وتخبطه واضطرابه في المجابهة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال... ﴾.