تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعصر * إن الإنسان لفى خسر

[العصر: 1-2] يعني: مطلق الإنسان في خسر لا ينجيه منه إلا أن يتصف بهذه الصفات:

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر

[العصر: 3]. وتختم الآية بقوله سبحانه: ﴿ وكان ربك بصيرا ﴾ [الفرقان: 20] لينبهنا الحق سبحانه أن كل حركة من حركاتكم في الفتنة مبصرة لنا، وبصرنا للأعمال ليس لمجرد العلم، إنما لنرتب على الأعمال جزاء على وفقها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقال الذين لا يرجون لقآءنا... ﴾.

25.21

واللقاء: يعني البعث، وقد آمنا بالله غيبا، وفي الآخرة نؤمن به تعالى مشهدا

لمن الملك اليوم..

[غافر: 16] حتى من لم يؤمن في الدنيا سيؤمن في الآخرة. لذلك يقول سبحانه في موضع آخر:

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب

[النور: 39]. ويا ليته جاء فلم يجد عمله، المصيبة أنه وجد عمله كاملا، ووجد الله تعالى يحاسبه ويجازيه، ولم يكن هذا كله على باله في الدنيا لذلك يفاجأ به الآن. وقوله: ﴿ لا يرجون لقآءنا.. ﴾ [الفرقان: 21] يعني: لا ينتظرونه ولا يؤمنون به لذلك لم يستعدوا له، لماذا؟ لأنهم آثروا عافية العاجلة على عافية الآجلة، ورأوا أمامهم شهوات ومتعا لم يصبروا عليها، وغفلوا عن الغاية الأخيرة. ما هو اللقاء؟ اللقاء يعني الوصل والمقابلة، لكن كيف يتم الوصل والمقابلة بين الحق - تبارك وتعالى - وبين الخلق - وهذه من المسائل التي كثر فيها الجدال، وحدثت فيها ضجة شككت المسلمين في كثير من القضايا. قالوا: اللقاء يقتضي أن يكون الله تعالى مجسما وهذا ممنوع، وقال آخرون: ليس بالضرورة أن يكون اللقاء وصلا، فقد يكون مجرد الرؤية لأن رؤية العين للرب ليست لقاء، وهذا قول أهل السنة. أما المعتزلة فقد نفوا حتى الرؤية، فقال: لا يلقونه وصلا ولا رؤية، لأن الرائي يحدد المرئي، وهذا محال على الله عز وجل. ونقول للمعتزلة: أنتم تأخذون المسائل بالنسبة لله، كما تأخذونها بالنسبة لمخلوقات الله، لماذا لا تأخذون كل شيء بالنسبة لله تعالى في إطار

ليس كمثله شيء..

[الشورى: 11] فإذا كان لكم ببعض لقاء يقتضي الوصل، فلله تعالى لقاء لا يقتضي الوصل، وإذا كانت الرؤية تحدد فلله تعالى رؤية لا تحدد. إن لك سمعا ولله سمع أسمعك كسمع الله عز وجل؟ إذن. لماذا تريد أن يكون لقاء الله كلقائك يقتضي تجسدا، أو رؤيته كرؤيتك؟ لذلك في قصة رؤية موسى عليه السلام لربه عز وجل، ماذا قال موسى؟ قال:

رب أرني أنظر إليك..

[الأعراف: 143] فطلب من ربه أن يريه لأنه لا يستطيع ذلك بذاته، ولا يصلح لهذه الرؤية، ألا أن يريه الله ويطلعه، فالمسألة ليست من جهة المرئي، إنما من جهة الرائي. لكن هل قرعه الله على طلبه هذا وقال عنه: استكبر وعتا عتوا كبيرا كما قال هنا؟ لا إنما قال له:

لن تراني..

[الأعراف: 143] ولم يقل سبحانه: لن أرى، وفرق بين العبارتين. فقوله:

لن تراني..

[الأعراف: 143] المنع هنا ليس من المرئي بل المنع من الرائي لذلك أعطاه ربه عز وجل الدليل:

ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني..

[الأعراف: 143] يعني: أأنت أقوى أم الجبل؟

فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا..

[الأعراف: 143]. ولاحظ:

فلما تجلى ربه للجبل..

[الأعراف: 143] كلمة تجلى أي: أن الله تعالى يتجلى على بعض خلقه، لكن أيصبرون على هذا التجلي؟ وليس الجبل أكرم عند الله من الإنسان الذي سخر الله له الجبل وكل شيء في الوجود. إذن: فالإنسان هو الأكرم، لكن تكوينه وطبيعته لا تصلح لهذه الرؤية، وليس لديه الاستعداد لتلقي الأنوار الإلهية ذلك لأن الله تعالى خلقه للأرض. أما في الآخرة فالأمر مختلف لذلك سيعدل الله هذا الخلق بحيث تتغير حقائقه ويمكنه أن يرى، وإذا كان موسى - عليه السلام - قد صعق لرؤية المتجلى عليه وهو الجبل، فكيف به إذا رأى المتجلي عز وجل؟ لذلك، كان من نعمة الله تعالى على عباده في الآخرة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٠١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٠١٧