25.15
﴿ قل ﴾ [الفرقان: 15] أمر لرسول الله بأن يقول، والمقول له هم الذين اعترضوا على نبوته صلى الله عليه وسلم باعتراضات واهية من المعاصرين له، وكانوا يتخبطون في هذه المسائل تخبط من لا يعرف فيها حقيقة، وإنما غرضه فقط أن يتعرض لرسول الله في أمر دعوته، والتعرض لأي نبي في أمر دعوته من المعاصرين له أمر طبيعي لأن الرسل إنما يجيئون حين يستشري الفساد. وسبق أن قلنا: إن الحق - سبحانه وتعالى - جعل في كل نفس ملكة تجعل الإنسان يفعل شيئا، ثم تأتي ملكة أخرى فيه لتلومه على ذلك، حينئذ تكون المناعة في ذات الإنسان ويسمونها النفس اللوامة، لكن قد تنطمس فيه هذه الملكة، فتتعاون كل ملكاته على الشر، بحيث تكون النفس بكل ملكاتها أمارة بالسوء، وهي أمارة بصيغة المبالغة لا آمرة أي: أنها أخذت هذا الأمر حرفة لها. كما لو رأيت رجلا ينجر في قطعة من الخشب تقول له: ناجر، فإن اتخذها حرفة له، لا يعمل إلا هي، تقول له: نجار، ومثله: خائط وخياط. فالمعنى: أمارة يعني: لم يعد لها عمل في أن تردع عن الشر، بل دائما تقوي نوازع الشر في النفس، وتتأصل فيها حتى تصير لها حرفة. فماذا يكون الموقف إذن؟ لا بد أن يجعل الحق سبحانه في نفوس قوم آخرين ملكة الخير ليواجهوا أصحاب هذه الأنفس الأمارة بالسوء، يواجهونهم بالنصح والإرشاد والموعظة، ويصرفونهم عن الشر إلى الخير. فإذا ما فسد المجتمع كله، لا نفس مانعة، ولا مجتمع مانع، فلا بد أن تتدخل السماء برسول جديد. ومن رحمة الله بالعالم أنه سبحانه ضمن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون فيها النفس اللوامة، وضمن لها أن يظل مجتمعها آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر لذلك لا حاجة لرسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن: فالمناعة موجودة في أمة الإسلام، ولو لم تكن هذه المناعة موجودة في النفس أولا، وفي المجتمع ثانيا لتدخلت السماء بعد رسول الله برسول جديد ومعجزة جديدة ليعيد الخلق إلى رشدهم. ولا شك أن في المجتمع طائفة تنتفع بهذا الفساد، ويعيشون في ترف في ظله، فطبيعي - إذن - أن يدافعوا عنه، وطبيعي أن يتصدوا لدعوة الرسول التي جاءت لتعدل ميزان المجتمع، وأن يقفوا له بالمرصاد لأنه يهدد هذه النفعية ويقضي على مصلحتهم. وإن كان الرسل السابقون قد تعرضوا لمثل هذا الاضطهاد، فقد تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأضعاف ما تعرضوا له لأن اضطهاده صلى الله عليه وسلم جاء مناسبا لضخامة مهمته، فقد جاءت الرسل قبله، كل إلى أمته خاصة في زمن محدد، أما رسالته صلى الله عليه وسلم فقد جاءت للناس كافة، تعم كل الزمان وكل المكان إلى أن تقوم الساعة، فلا بد إذن أن تكون مهمته أصعب.
وهؤلاء الكبراء الذين ينتفعون بالفساد في المجتمع يظنون أن رسول الله إذا لوح له بالمال والنعيم يمكن أن يتنازل عن دعوته، ويترك لهم الساحة لذلك اجتمع صناديد قريش على رسول الله، يلوحون له بالمال والجاه والسلطان، ليصدوه عن الدعوة ويصرفوه عنها، هؤلاء الذين سماهم أستاذنا الشيخ موسى: دستة الشر، وكانوا اثنا عشر رجلا، منهم: أبو البختري، وأبو جهل، وأبو سفيان، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، وعتبة بن ربيعة، ومنبه بن الحجاج، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، ونبيه بن الحجاج. لقد ذهب هؤلاء إلى سيدنا محمد رسول الله يقولون: " نحن وفد قومك إليك، جئنا لنقدم المعذرة حتى لا يلومنا أحد بعد ذلك، فإن كنت تريد مالا جمعنا لك الأموال، وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ". وفرق بين المال والشرف: المال أن يكون الإنسان غنيا، لكن ربما لا شرف له، ولا مكانة بين الناس، وهناك من له شرف وسيادة، وليس له مال. ونلحظ أنهم ارتقوا في مساومة رسول الله من المال إلى الشرف والسيادة، ثم إلى الملك. فماذا كان موقفه صلى الله عليه وسلم؟ كان موقفه هو الموقف الذي مهد الله له به، حينما عرض عليه جبريل عليه السلام أن يجعل الله له جبال مكة ذهبا، فقال صلى الله عليه وسلم: