ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين
[الأنفال: 30]. والخبير: الذي يعلم خبايا الأمور، حتى في مسائل الدنيا الهامة نقول: نستدعي لها الخبير لأن المختص العادي لا يقدر عليها. وفي موضع آخر يقول تعالى:
ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
[الملك: 14]. ثم ينقلنا الحق - تبارك وتعالى - إلى آية كونية، تنضاف إلى الآيات السابقة، والهدف من ذكر المزيد من الآيات الكونية أنه لعلها تصادف رقة قلب واستمالة مواجيد، فتعطف الخلق إلى الخالق، وتلفت الأنظار إليه سبحانه.
25.59
البعض يظن أن خلق السماوات والأرض شيء سهل، وأعظم منه خلق الإنسان، لكن الحق - تبارك وتعالى - يقول:
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس..
[غافر: 57]. فالإنسان يخلقه الله، وقد يموت بعد يوم، أو بعد مائة عام، وقد تصيبه في حياته الأمراض، أما السماوات والأرض، فقد خلقها الله تعالى بهندسة دقيقة، وقوانين لا تختلف ولا تختل مع ما يمر عليها من أزمنة، وكأن الحق سبحانه يقول للإنسان: إن السماوات والأرض هذه خلقتي وصنعتي، لو تدبرت فيها وتأملتها لوجدتها أعظم من خلقك أنت. وقوله تعالى: ﴿ في ستة أيام.. ﴾ [الفرقان: 59] سبق أن تكلمنا في هذه المسألة وقلنا: إن جمهرة آيات القرآن تدل على أن الخلق تم في مدة ستة أيام إلا سورة واحدة تشعر آياتها أن الخلق في ثمانية أيام، وهي سورة فصلت: حيث يقول فيها الحق سبحانه وتعالى:
قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين * ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سمآء أمرها وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم
[فصلت: 9-12]. وجملة هذه ثمانية أيام، وكل مجمل يخضع للتفصيل إلا تفصيل العدد فيرجع للمجمل، كيف؟ الحق سبحانه يتكلم هنا عن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم تكلم عن خلق الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها، وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، فالأربعة الأيام هذه تكملة لخلق الأرض فهي تكملة لليومين، كأنه قال في تتمة أربعة أيام، فالأرض في يومين والباقي أكمل الأربعة. كما تقول: سرت إلى طنطا في ساعة، وإلى الأسكندرية في ساعتين أي يدخل فيهما الساعة الأولى إلى طنطا، فاليومان من الأربعة الأيام. لكن، كيف نقدر هذا اليوم؟ الله يخاطبنا باليوم الذي نعرفه ونعرف مدلوله، فالمعنى: في ستة أيام من أيامكم التي تعرفونها. وإلا لو كان المراد يوما لا نعرفه نحن، فسيكون لا معنى له لأننا لا نفهمه. ولقائل أن يقول: كيف يستغرق الخلق كل هذه المدة والحق - تبارك وتعالى - يخلق بكن، وكن لا تحتاج وقتا؟ قالوا: فرق بين عملية الخلق وما يحتاجه المخلوق في ذاته. فأنت مثلا، إن أردت أن تصنع كوبا من الزبادي تحضر اللبن مثلا وتضع عليه خميرة الزبادي المعروفة المأخوذة من زبادي دسم سبق صنعه، وتضعه في درجة حرارة معينة، بعد هذه العملية تكون قد صنعت الزبادي فعلا، لكن هل يمكنك أن تأكل منه فور الانتهاء من صناعته؟ لا، بل لا بد أن تتركه عدة ساعات لتتفاعل عناصره، فهل تقول: أنا صنعت الزبادي في عدة ساعات مثلا؟ كذلك، حين تذهب إلى الترزي لتفصيل ثوب مثلا يقول لك: موعدنا بعد شهر، فهل تستغرق خياطة الثوب شهرا؟ لا، إنما مدته عنده شهر.
فالحق - تبارك وتعالى - يفعل ويخلق دون معالجة، وبالتالي دون زمن لأنه سبحانه يقول للشيء: كن فيكون. وقوله سبحانه: ﴿ ثم استوى على العرش.. ﴾ [الفرقان: 59] سبق أن تكلمنا في هذه المسألة، فاستوى تعني: صعد وارتفع وعلا وجلس، ونحن ننزه الله تعالى عن استواء يشابه استواء خلقه. والاستواء هنا رمزية لتمام الأمر بما نعرفه في عادة الملوك في الجلوس على كرسي العرش، حين يتم لهم الأمر ويستتب. و ﴿ الرحمن.. ﴾ [الفرقان: 59] دليل على أن مسألة الخلق كلها تدور في إطار الرحمانية ﴿ فسئل به خبيرا ﴾ [الفرقان: 59] لأنه سبحانه خلق السماوات والأرض وخلقنا، ومع ذلك لا نعرف: كيف تم هذا الخلق؟ ولن نستطيع أن نقف على تفصيل هذا الخلق، إلا إذا أطلعنا الخالق عليه، وإلا فهذا أمر لم نشاهده، فكيف نخوض فيه، كمن يقول: إن الأرض كانت قطعة من الشمس، ثم انفصلت عنها مع دوران الشمس.. إلخ هذه الأقوال. لذلك الحق - تبارك وتعالى - يحذرنا من سماع مثل هذه النظريات، لأن مسألة الخلق لا تخضع للعلم التجريبي أبدا، فيقول سبحانه: