25.56
صحيح أن الله تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم:
يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم..
[التوبة: 73] لكن لا يعني هذا أن يهلك رسول الله نفسه في دعوتهم، ويألم أشد الألم لعدم إيمانهم لأن مهمة الرسول البلاغ، وقد أسف رسول الله لحال قومه حتى خاطبه ربه بقوله:
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6]. وما أمره الله بجهاد الكفار والمنافقين إلا ليحفزه، فلا يترك جهدا إلا بذله معهم، وإلا فأنت عندي مبشر ومنذر ﴿ ومآ أرسلناك إلا مبشرا.. ﴾ [الفرقان: 56] أي: بالخير قبل أوانه ليتلفت الناس إلى وسائله ﴿ ونذيرا ﴾ [الفرقان: 56] أي: بالشر قبل أوانه ليحذره الناس، ويجتنبوا أسبابه ووسائله. ثم يوجه رب العزة نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ قل مآ أسألكم عليه من أجر... ﴾.
25.57
في آية أخرى: يقول تعالى:
أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون
[الطور: 40]. يعني: غير قادرين على دفع الثمن لأنهم بخلاء وعندهم كزازة؟ أو لا يريدون أن يخرجوا من جيوبهم شيئا تنتفع أنت به؟ مع أنك لم تسألهم أجرا، فهل يعني ذلك أن النبي كان من المفروض أن يسألهم أجرا؟ قالوا: نعم لأنه إذا قدم إنسان لإنسان شيئا نافعا، فعليه أن يدفع له أجرا بمقتضى التبادل والمعاوضة، وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول لهم: لقد قدمت إليكم جميلا يفترض أن لي عليه أجرا، لكني لا أريد منكم أجرا، والمسألة من عندي تفضل. وما هو الأجر؟ الأجر: جعل يقابل عملا، والثمن: جعل يقابل تملكا، وقيمة هذا الجعل تختلف باختلاف مشقة العمل، وطول زمنه، ومهارة العامل فيما يقتضيه العمل ومخاطر ما يقتضيه العمل. فكل مسألة من هذه ترفع من قيمة الأجر، فحين تسافر مثلا تحتاج إلى شيال يحمل لك الحقائب، فتعطيه الأجر الذي يتناسب ومجهوده، فإن استأجرت سيارة وسرت بها مسافة فلا بد أن الأجر سيزيد لأنه أخذ مجهودا ووقتا أكثر، فإن احتجت مثلا سباكا ليصلح لك شيئا فسوف ترى ما في هذا العمل من المشقة، ولا تبخل عليه بأكثر من سابقيه. وربما كان العمل في نظرك بسيطا لا يستغرق وقتا، لكنه يحتاج إلى مهارة. هذه المهارة ليست وليدة اللحظة، ولكنها مجهود ونتيجة عوامل من التعلم والخبرة حتى وصل صاحبها إلى هذه المهارة. فالمهندس مثلا الذي يصمم لك منزلك في ساعة أو ساعتين، ومع ذلك يطلب مبلغا كبيرا، لماذا؟ لأنه لا يتقاضى أجرا على هذا الوقت، إنما على سنوات طويلة من الدراسة والمجهود والتحصيل، حتى وصل إلى هذه المهارة. إذن: كل أجر يقدر بما يقابله من عمل، ويتناسب مع ما يقتضيه العمل من وقت ومجهود ومشقة ومخاطرة ومهارة.. ألخ. وإذا كان الأمر كذلك فانظروا إلى عمل الرسول وإلى مدى إفادتكم من رسالته، انظروا إلى المنهج الذي جاءكم به، وكيف أنه يريحكم مع أنفسكم، ويريحكم مع المجتمع، ويريحكم مع ربكم عز وجل، ويريحكم من شرور أنفسكم، ومن شرور الناس جميعا. إذن: للرسول عمل كبير ومجهود عظيم، لو قدرت له أجرا لكان كذلك عظيما. إن الإنسان إذا أجر مثلا حارسا يحرسه بالليل، كم يدفع له؟ فالنبي يأتيك بمنهج يحرسك ويحميك في نفسك وفي مالك وفي عرضك وفي كل ما تملك، ولا يحميك من فئة معينة إنما يحميك من الناس أجمعين. بل إن حماية منهج الله لك لا تقتصر على الدنيا، إنما تتعدى إلى الآخرة، فتحميك فيها حماية ممتدة لا نهاية لها، فإن قدرت لهذه الحماية أجرا، فكم يكون؟ إنما أنا أقول لك: لا أريد أجرا، لا كراهية في الأجر، بل لأنك أنت أيها الإنسان لا تستطيع تقدير هذا العمل أو تقييم الأجر عليه، أما الذي يقدر ذلك فهو ربي الذي بعثني، وأنت أيها العبد مهما قدمت لي من أجر على ذلك فهو قليل.
وحكينا قصة الرجل الطيب الذي قابلناه في الجزائر، يقف على الطريق يلوح لسيارة تحمله، فوقفنا وفتحنا له الباب ليركب معنا، وقبل أن يركب قال: بكم؟ يعني: الأجرة. فقال له صاحبي: لله، فقال الرجل: إذن فهي غالية جدا. هذا هو المعنى في قوله تعالى: