تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25.16

في الآية السابقة قال سبحانه:

جنة الخلد..

[الفرقان: 15] وهنا يقول: ﴿ خالدين.. ﴾ [الفرقان: 16] وهذه من المواضع التي يرى فيها السطحيون تكرارا في كلام الله، مع أن الفرق واضح بينهما، فالخلد الأول للجنة، أما الثاني فلأهلها، بحيث لا تزول عنهم ولا يزولون هم عنها. وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشآءون.. ﴾ [الفرقان: 16] كأن امتياز الجنة أن يكون للذي دخلها ما يشاء، وفي هذه المسألة بحث يجب أن نتنبه إليه ﴿ لهم فيها ما يشآءون.. ﴾ [الفرقان: 16] يعني: إذا دخلت الجنة فلك فيها ما تشاء. إذن: لك فيها مشيئة من النعيم، ولا تشاء إلا ما تعرف من النعيم المحدود، أما الجنة ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وهذا الوعد لا يتحقق للمؤمن إلا في الجنة، أما في الدنيا فلا أحد ينال كل ما يشاء - حتى الأنبياء - ألا ترى أن نوحا عليه السلام طلب من ربه نجاة ولده. فقال:

إن ابني من أهلي..

[هود: 45] فلم يجب إلى ما يشاء. ومحمد صلى الله عليه وسلم - رغم كل المحاولات - لم يتمكن من هداية عمه أبي طالب، وهذا لا يكون إلا في الدنيا، لذلك فاعلم أن الله تعالى حين يحجب عنك ما تشاء في الدنيا إنما ليدخره لك كما يشاء في الآخرة، مع أن الكثيرين يظنون هذا حرمانا، وحاشا لله تعالى أن يحرم عبده. وفي قوله: ﴿ لهم فيها ما يشآءون.. ﴾ [الفرقان: 16] عطاءات أخرى، لكن ربك يعطيك على قدر معرفتك بالنعيم، ويجعل عليك كنترولا فأنت تطلب وربك يعطيك، ويدخر لك ما هو أفضل مما أعطاك. والمشيئة في الأخرى ستكون بنفسيات وملكات أخرى غير نفسيات وملكات مشيئات الدنيا، إنها في الآخرة نفوس صفائية خالصة لا تشتهي غير الخير، على خلاف ما نرى في الدنيا من ملكات تشتهي السوء، لأن الملكات هنا محكومة بحكم الجبر في أشياء والاختيار في أشياء: الجبر في الأشياء التي لا تستطيع أن تتزحزح عنها كالمرض والموت مثلا، أما الاختيار ففي المسائل الأخرى. ثم يقول سبحانه: ﴿ كان على ربك وعدا مسئولا ﴾ [الفرقان: 16] الوعد - كما قلنا - البشارة بخير قبل أوانه. وبعض العلماء يرى أن وعدا هنا بمعنى حق، لكن هل لأحد حق عند الله؟ وفي موضع آخر يسميه تعالى جزاء، فهل هو وعد أم جزاء؟ نقول: حينما شرع الحق سبحانه الوعد صار جزاء لأن الحق - تبارك وتعالى - لا يرجع في وعده، ولا يحول شيء دون تحقيقه. وكلمة ﴿ مسئولا ﴾ [الفرقان: 16] من السائل هنا؟ قالوا: الله تعالى علمنا أن نسأله، واقرأ قوله تعالى:

ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك..

[آل عمران: 194] فقد سألناها نحن. وكذلك سألتها الملائكة، كما جاء في قوله سبحانه على لسان الملائكة:

ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم..

[غافر: 8]. فالجنة - إذن - مسئولة من أصحاب الشأن، ومسئولة من الملائكة الذين يستغفرون لنا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٠١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٠١٠