ونجد في دعائه صلى الله عليه وسلم قوله الشريف:
" لك العتبى حتى ترضى ".
أي: إذا كنت يا رب تعتب علي في أي شيء فأنا أدعوك أن تزيل هذا العتب. وهكذا نجد أن الإزالة تأتي مرة بإضافة الهمزة ومرة تأتي بالتضعيف مثل قولنا " مرض الطبيب مريضه " أي: أزال عنه - بإذن من الله - مرضه. إذن: " مصرخ " هو من يزيل صراخ آخر فكأن هناك من استغاث فجاءه من يغيثه. وهكذا يعلن الشيطان في اليوم الآخر أنه ومن أغواهم في مأزق وأنه غير قادر على إزالة سبب هذا المأزق ولا هم بقادرين على إزالة سبب مأزقه ولن يغيث أحدهما الآخر. ويضيف: ﴿ إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل.. ﴾ [إبراهيم: 22]. فأنتم أشركتموني مع الله في الطاعة حين استسلمتم لغوايتي ولم تكونوا من عباد الله المخلصين الذين أقسمت أنا بعزة الله ألا أغويهم وكل منكم نفذ ما أغويته به فناديتكم واستجبتم وناداكم الله فعصيتم أو كفرتم. وصرتم مثلي، فقد سبق لي أن أمرني الله وعصيت. ويقول الحق سبحانه ما يجيء على لسان الشيطان لمن كفر وعصى: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ [إبراهيم: 22]. وهذه قضية عامة، قضية الكفر في القمة، فكما أطعتم الشيطان وجعلتموه شريكا لله فها هو الشيطان يخبركم بتقدير هذا الموقف بأنه شرك بالله وهو يعلن الكفر بهذا لأن يوم الحشر قد جاء وتحقق فيه قول الله له:
فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم
[الحجر: 37-38]. وكان الشيطان من قبل اليوم المعلوم - وهو اليوم الآخر - يندس ويوسوس وينزغ أما في ذلك اليوم فقد برز كل شيء من إنس وجن وكل الكائنات أمام الواحد القهار، ولم يعد هناك ما يخفى عن العين. وهذا ما خدعوا به أنفسهم، وظنوا أنهم قادرون على أن يخفوا ما فعلوه عن أعين الله ولذلك نجد الحديث القدسي يقول:
" يا بني آدم، إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم، فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم ".
وأنت في حياتك اليومية لا تجد من يسرق من آخر وجها لوجه: ولا أحد يحرق بيت أحد أمام عينيه فإن كنتم يا معشر البشر لا تفعلون ذلك مع بعضكم البعض فكيف تفعلون ذلك مع خالقكم فتعصونه. وإن شككتم أنه لا يراكم فالخلل في إيمانكم وإن كنتم تعتقدون أنه يراكم فلا تجعلوه أهون الناظرين إليكم، لأنه لو نظر إليك إنسان فأنت لا تجرؤ على أن تصنع له ما يكرهه. ولذلك يقول الشيطان معترفا ومقرا بأن الظالمين لهم عذاب أليم، والظلم في القمة هو الشرك بالله:
إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13]. وحين نقرأ ذلك إما أن نأخذه على أنه إقرار من الشيطان أو نفهمه على أن الشيطان قد قال: { إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل.
. } [إبراهيم: 22]. ويقول الحق سبحانه بعدها تلك القضية العامة: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ [إبراهيم: 22]. فبعد أن تكلم سبحانه عن بروز الخلق والكائنات ثم الحوار بين الضعفاء والسادة ثم الحوار بين الشيطان وبين أهل الكفر والمعصية يأتي بالقضية النهائية في الحكم: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ [إبراهيم: 22]. والمناسبات توحي بمقابلاتها لتكون النفس متشوقة ومتقبلة لهذا المقابل مثل قول الحق سبحانه:
إن الأبرار لفي نعيم
[الانفطار: 13]. ويأتي بعدها بالمقابل لها:
وإن الفجار لفي جحيم
[الانفطار: 14]. فكما جاء بمقابل الأشقياء لا بد أن يفتح القلوب لتنعم بسعادة مصير وجزاء الذين سعدوا بالإيمان. لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ وأدخل الذين آمنوا.. ﴾.