[الشعراء: 198-199]. وقال أيضا:
ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته ءاعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى..
[فصلت: 44]. فهناك من يستقبل القرآن كدليل هداية وينقي نفسه من الكدر، وهناك من يستقبل القرآن فيكون عليه عمى وعلى سمعه غشاوة وخوف وعدم ارتياح، ذلك أنه كافر. والسبب - كما نعلم - أن حدوث الحادث من آمر به يحتاج إلى فاعل وإلى قابل للفعل. وسبق أن ضربت مثلا بمن يشرب الشاي فينفخ فيه ليبرده قليلا ونفس هذا الإنسان حين يخرج في صباح شتوى فهو ينفخ في يديه ليدفئهما، وهكذا ينفخ مرة ليبرد شيئا وينفخ أخرى مستدعيا الدفء. والمسألة ليست في أمر النفخ ولكن في استقبال الشاي للهواء الخارج من فمك، الشاي أكثر حرارة من حرارة الجسم فيبرد بالنفخ، بينما اليد في الشتاء تكون أكثر برودة من الجسم فتستقبل النفخ لها برفع درجة حرارتها لتتساوى مع حرارة الجسم. وهكذا تجد أن القرآن واحد لكن المؤمن يسمعه فيفرح به، والكافر يسمعه فيتعب ويرهق منه. وسبحانه يقول:
ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا..
[محمد: 16]. وهكذا نجد من يستقبل القرآن، ولا ينصاع إلى معانيه ونجد من يستمع إلى القرآن فيخشع قلبه وينفعل بالاستجابة لما يوصي به الحق سبحانه. إذن: عرفنا الآن أن اللغة بدأت توقيفية وانتهت اصطلاحية فقد أخذنا من الله ما علمه لآدم من أسماء وتغيرت الألسن من جماعة إلى أخرى، وهكذا اختلفت ألسنة الرسل حسب القوم المرسلين إليهم.
وكل رسول يبين للقوم منهج الله فإذا بين هذا المنهج، استقبله البعض بالإيمان بما جاء به والهداية، واستقبله البعض الآخر بالكفر والضلال. فالذي هداه الله استشرف قلبه إلى هذا المنهج وأخرج من قلبه أي عقيدة أخرى، وبحث فيما جاء به الرسول، وملأ قلبه بالمنهج الذي ارتاح له فهما وطمأنينة. وهو عكس من تسكن قلبه قضية مخالفة، ويصر عليها، لا عن قناعة، ولكن عن عدم قدرة على التمحيص والدراسة والاستشراف. وكان عليه أن يخرج القضية المضلة من قلبه، وأن يبحث ويقارن ويستشف ويحسن التدبر ثم يدخل إلى قلبه القضية الأكثر قبولا، ولكنه لا يفعل، عكس من هداه الله. ولا يقولن أحد " ما دام قد أضلنا الله فلم يعذبنا؟ " ولكن ليعلم كل إنسان أن المشيئة لقابلية الإيمان موجودة، ولكنه لم يستدعها إلى قلبه. والحق سبحانه يقول:
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم...
[محمد: 17]. ويقول:
وما يضل به إلا الفاسقين
[البقرة: 26]. أي: أن الفسق قد صدر منهم، لأنهم ملأوا أفئدتهم بقضايا باطلة فجاءت قضايا الحق فلم تجد مدخلا. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: ﴿ فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء وهو العزيز الحكيم ﴾ [إبراهيم: 4]. فمن يقبل على الضلال يزيده الله ضلالا فلن يزيد إيمانه ملك الله شيئا، ومن يؤمن فهو يضمن لنفسه سلامة الحياة وما بعد الموت وهو في الحياة عنصر خير وهو من بعد الموت يجد الحياة مع نعم المنعم سبحانه العزيز الذي لا يغلب والحكيم الذي قدر لكل أمر ما يشاء. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ... ﴾.