13.41
و ﴿ يروا ﴾ هنا بمعنى " يعلموا " ، ولم يقل ذلك لأن العلم قد يكون علما بغيب، ولكن " يروا " تعني أنهم قد علموا ما جاء بالآية علم مشهد ورؤية واضحة، وليس مع العين أين. وإذا جاء قول الحق سبحانه ليخبرنا بأمر حدث في الماضي أو سيحدث في المستقبل ووجدنا فيه فعل الرؤية فهذا يعني أننا يجب أن نؤمن به إيمان مشهد، لأن قوله سبحانه أوثق من الرؤية، وعلمه أوثق من عينيك. وسبق أن قال الحق سبحانه لرسوله:
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
[الفيل: 1]. ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ولد في عام الفيل، ولا يمكن أن يكون قد رأى ما حدث لأصحاب الفيل، ولكنه صدق ما جاء به القول الحق وكأنه رؤيا مشهدية. وقال الحق سبحانه:
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء لجعله ساكنا..
[الفرقان: 45]. وحين يعبر القرآن عن أمر غيبي يأتي بفعل " يرى " مثل قوله الحق:
ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم..
[السجدة: 12]. وحين يتكلم القرآن عن أمر معاصر يقول:
أفلا يرون..
[الأنبياء: 44]. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها.. ﴾ [الرعد: 41]. وهذا قول للحاضر المعاصر لهم. وتعريف الأرض هنا يجعلها مجهولة، لأننا حين نرغب في أن نعرف الأرض قد يتجه الفكر إلى الأرض التي نقف عليها وبالمعنى الأوسع يتجه الفكر إلى الكرة الأرضية التي يعيش عليها كل البشر. وقد تنسب الأرض إلى بقعة خاصة وقع فيها حدث ما مثل قول الحق سبحانه عن قارون:
فخسفنا به وبداره الأرض..
[القصص: 81]. ويقول الحق سبحانه عن الأرض كلها:
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض..
[النور: 55]. وبطبيعة الحال هم لن يأخذوا كل الأرض، ولكن ستكون لهم السيطرة عليها. وسبحانه يقول أيضا:
فذروها تأكل في أرض الله..
[الأعراف: 73]. وهكذا نفهم أن كلمة " الأرض " تطلق على بقعة لها حدث خاص، أما إذا أطلقت فهي تعني كل الأرض، مثل قول الحق سبحانه:
والأرض وضعها للأنام
[الرحمن: 10]. ومثل قوله تعالى لبني إسرائيل:
وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض..
[الإسراء: 104]. مع أنه قد قال لهم في آية أخرى:
ادخلوا الأرض المقدسة..
[المائدة: 21]. فبعد أن حدد لهم الأرض بموقع معين عاد فأطلق الكلمة، ليدل على أنه قد شاء ألا يكون لهم وطن، وأن يظلوا مبعثرين، ذلك أنهم رفضوا دخول الموقع الذي سبق وأن حدده لهم وقالوا:
إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها..
[المائدة: 24]. ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر:
وقطعناهم في الأرض أمما..
[الأعراف: 168]. أي: جعلنا كل قطعة بما تحويه من تماسك متفرقة عن القطعة الأخرى، وهذا هو حال اليهود في العالم حيث يوجدون في أحياء خاصة بكل بلد من بلاد العالم فلم يذوبوا في مجتمع ما.
وقوله الحق هنا: ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها.. ﴾ [الرعد: 41]. موجه إلى قريش، فقد كانت لهم السيادة ومركزها مكة، ثم من بعد ذلك وجدوا أن الموقف يتغير في كل يوم عن اليوم الآخر ففي كل يوم تذهب قبيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة لتعلن إسلامها وتبايعه. وهكذا تنقص أمام عيونهم دائرة الكفر، إلى أن أعلنوا هم أنفسهم دخولهم في الإسلام. وهكذا شاء الحق سبحانه أن نقصت أرض الكفر، وازدادت أرض الإيمان، ورأوا ذلك بأنفسهم ولم يأخذوا عبرة بما رأوه أمام أعينهم من أن الدعوة ممتدة، ولن تتراجع أبدا، حيث لا تزداد أرض إلا بمكين فيها. والمكين حين ينقص بموقعه من معسكر الكفر فهو يزيد رقعة الإيمان إلى أن جاء ما قال فيه الحق سبحانه:
إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا
[النصر: 1-3]. وهناك أناس مخلصون لدين الله، ويحاولون إثبات أن دين الله فيه أشياء تدل على المعاني التي لم تكتشف بعد، فقالوا على سبيل المثال فور صعود الإنسان إلى القمر: لقد أوضح الحق ذلك حين قال: