تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان..

[الرحمن: 33]. وقالوا: إنه سلطان العلم. ولكن ماذا يقولون في قوله بعدها:

يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران

[الرحمن: 35]. فهل يعني ذلك أنه أباح الصعود بسلطان العلم كما تقولون؟ ولهؤلاء نقول: نحن نشكر لكم محاولة ربطكم للظواهر العلمية بما جاء بالقرآن، ولكن أين القمر بالنسبة لأقطار السماوات والأرض؟ إنه يبدو كمكان صغير للغاية بالنسبة لهذا الكون المتسع، فأين هو من النجم المسمى بالشعرى، أو بسلسلة الأجرام المسماة بالمرأة المسلسلة؟ بل أين هو من المجرات التي تملأ الفضاء؟ وحين تنظر أنت إلى النجوم التي تعلوك تجد أن بينك وبينها مائة سنة ضوئية، ولو كنت تقصد أن تربط بين سلطان العلم وبين القرآن، فعليك أن تأخذ الاحتياط، لأنك لو كنت تنفذ بسلطان العلم لما قال الحق سبحانه بعدها:

يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس..

[الرحمن: 35]. وإن سألت: وما فائدة الآية التي تحكي عن هذا السلطان فهي قد جاءت لأن الرسول قد أخبر القوم أنه صعد إلى السماء وعرج به، أي: أنه صعد وعرج به بسلطان الله. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها.. ﴾ [الرعد: 41]. وكلمة " أطراف " تدلنا على أن لكل شيء طولا وعرضا تتحدد به مساحته وكذلك له ارتفاع ليتحدد حجمه.

ونحن نعرف أن أي طول له طرفان، وإن كان الشيء على شكل مساحي تكون أطرافه بعدد الأضلاع. ومادام الحق سبحانه يقول هنا: ﴿ من أطرافها.. ﴾ [الرعد: 41]. أي: من كل نقطة من دائرة المحيط تعتبر طرفا. ومعنى ذلك أنه سبحانه قد شاء أن تضيق أرض الكفار، وأن يوسع أرض المؤمنين من كل جهة تحيط بمعسكر الكفر، وهذا القول يدل على أنه عملية محدثة، ولم تكن كذلك من قبل. ويتابع سبحانه من بعد ذلك: ﴿ والله يحكم لا معقب لحكمه.. ﴾ [الرعد: 41]. أي: أن الموضوع قد بت فيه وانتهى أمره.. ونحن في حياتنا اليومية نقول: " هذا الموضوع قد انتهى لأن الرئيس الكبير قد عقب على الحكم فيه ". ونحن في القضاء نجد الحكم يصدر من محكمة الدرجة الابتدائية، ثم يأتي الاستئناف ليؤيد الحكم أو يرفضه، ولا يقال: إن الاستئناف قد عقب على الحكم الابتدائي بل يقال: إنه حكم بكذا إما تأييدا أو رفضا فما بالنا بحكم من لا يغفل ولا تخفى عنه خافية، ولا يمكن أن يعقب أحد عليه؟ والمثل في ذلك ما يقوله الحق سبحانه عن سليمان وداود عليهما السلام:

وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما..

[الأنبياء: 78-79]. وأصل الحكاية أن خلافا قد حدث بسبب أغنام يملكها إنسان واقتحمت الأغنام زراعة إنسان آخر فتحاكموا إلى داود عليه السلام فقال داود: إن على صاحب الأغنام أن يتنازل عنها لصاحب الأرض. وكان سيدنا سليمان - عليه السلام - جالسا يسمع أطراف الحديث فقال: لا، بل على صاحب الأغنام أن يتنازل عن أغنامه لصاحب الأرض لفترة من الزمن يأخذ من لبنها ويستثمرها، وينتفع بها إلى أن يزرع له صاحب الغنم مثل ما أكلت الأغنام من أرضه. وقال الحق سبحانه:

ففهمناها سليمان..

[الأنبياء: 79]. وهذا هو الاستئناف، ولا يعني الاستئناف طعن قاض في القاضي الأول لكنه بحث عن جوهر العدل ولعل القضية إن أعيدت لنفس القاضي الأول لحكم نفس الحكم الذي حكم به الاستئناف بعد أن يستكشف كل الظروف التي أحاطت بها. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ والله يحكم.. ﴾ [الرعد: 41]. ولحظة أن يصدر الله حكما فلن يأتي له استئناف، وهذا معنى قوله الحق: ﴿ لا معقب لحكمه.. ﴾ [الرعد: 41]. وكأن هذا القول الحكيم يحمل التنبؤ بما أشار به القضاء بإنشاء الاستئناف ولا أحد يعقب على حكم الله لأن المعقب يفترض فيه أن يكون أيقظ من المعقب عليه وعنده قدرة التفاف إلى ما لم يلتفت إليه القاضي الأول، ولا يوجد قيوم إلا الله، ولا أحد بقادر على أن يعلم كل شيء إلا هو سبحانه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٨٤