[الفرقان: 23]. وهو القائل سبحانه أيضا جل وعلا:
كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء..
[إبراهيم: 18]. ولذلك فعليك أن تقبل على كل عمل وأنت موقن بأن هذا العمل لا ينتهي بتركك للحياة الدنيا، ولكن لكل عمل آثاره في حياة باقية، وإذا كانت الدنيا تحمل لك راحة موقوتة أو تعبا موقوتا، فالراحة في الآخرة باقية أبدا والتعب فيها غير موقوت. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وهو الذي مد الأرض... ﴾.
13.3
ويتابع الحق سبحانه سرد آياته الكونية في هذه الآية: ﴿ مد الأرض.. ﴾ [الرعد: 3]. يعني أنها موجودة أمامك وممتدة، وبعض الناس يفهمون المد بمعنى البسط، ونقول: إن البسط تابع للمد. ولذلك وقف بعض العلماء وقالوا: ومن قال إن الأرض كروية؟ إن الحق سبحانه قال: إنها مبسوطة، وهو سبحانه الذي قال: إنه قد مد الأرض. وقلت لهؤلاء العلماء: فلنفهم كلمة المد أولا، ولنفهم أيضا كلمة " الأرض " وهي التي تقف عليها أنت وغيرك، وتعيش عليها الكائنات، وتمتد شمالا إلى القطب الشمالي، وجنوبا إلى القطب الجنوبي، أيا ما كنت في أي موقع فهي ممدودة شرقا وغربا. ومعنى: ﴿ مد الأرض.. ﴾ [الرعد: 3]. تعني أنك إن وقفت في مكان وتقدمت منه تجد الأرض ممدودة أمامك ولا توجد حافة تنتهي لها، ولو أنها كانت مبسوطة لكان لها نهاية، ولكانت على شكل مثلث أو مربع أو مستطيل ولكان لها حافة ولوجدنا من يسير إلى تلك الحافة، هو يقول: " لقد وصلت لحافة الأرض وأمامي الفراغ " ولم يحدث أن قال ذلك واحد من البشر. وإذا ما سار إنسان على خط الاستواء مثلا فسيظل ماشيا على اليابسة أو راكبا لمركب تقطع به البحر أو المحيط ليصل إلى نفس النقطة التي بدأ منها سيره. وهكذا نجد الأرض ممدودة غير محدودة، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الأرض مكورة، بحيث إذا مشيت متتبعا أي خط من خطوط العرض أو خطوط الطول لانتهت إلى النقطة التي بدأت منها سيرك. وكان هذا هو الدليل الذي يقدمه العلماء على كروية الأرض قبل أن يخترعوا فكرة التصوير من خارج الغلاف الجوي. ونأخذ من قول الحق سبحانه: ﴿ وهو الذي مد الأرض.. ﴾ [الرعد: 3]. معنى آخر هو ضرورة أن ينظر الإنسان في هذا الامتداد ومن تضيق به الحياة في مكان يمكنه أن يرحل إلى مكان آخر، فأرض الله واسعة، والحق سبحانه هو القائل:
ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها..
[النساء: 97]. ونعلم أن فساد العالم في زمننا إنما ينشأ من فساد السياسات وزيادة الاضطرابات، وذلك واحد من نتائج تعويق مد الأرض، فساعة يحاول إنسان أن يترك حدود موطنه يجد الحراسات والعوائق عند حدود البلاد المجاورة، وتناسى الجميع قول الحق سبحانه:
والأرض وضعها للأنام
[الرحمن: 10]. فسبحانه قد سخر الأرض وأخضعها للأنام كل الأنام، وإذا لم يتحقق هذا المبدأ القرآني سيظل العالم في صراع وستظل بعض من البلاد في حاجة للبشر، وبعض من البلاد في ضيق من الرزق لزيادة السكان عن إمكانات الأرض التي يعيشون عليها. وستظل هناك أرض بلا رجال ورجال بلا أرض، نتيجة للحواجز المصطنعة بين البلاد.
وحتى تحل هذه القضية - كما قلنا في الأمم المتحدة - لا بد من تطبيق المبدأ القرآني:
والأرض وضعها للأنام
[الرحمن: 10]. ومن تضيق به الأرض التي نشأ فيها فليسمح له بالهجرة. ويتابع سبحانه في نفس الآية: ﴿ وجعل فيها رواسي وأنهارا.. ﴾ [الرعد: 3]. والرواسي هي جمع " راس " وهو الشيء الثابت. وسبحانه يقول:
والجبال أرساها
[النازعات: 32]. وهكذا جاء الحق بالحكم الذي شاء أن تكون عليه الجبال، وفي آية أخرى يأتينا الله بعلة كونها رواسي فيقول:
وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم..
[الأنبياء: 31]. أي: لا تضطرب بكم الأرض، ولو كانت الأرض مخلوقة على هيئة الثبات لما احتجنا إلى الجبال الرواسي كي تثبتها، ولكن الأرض مخلوقة متحركة، وهي عرضة للاضطراب، ولولا الجبال الرواسي لمادت الأرض. ولسائل أن يقول: ولكننا نقطع الآن الجبال، ونأخذ الجرانيت من جبل لنزين به أرضية بعض المناطق ونقطع الرخام من جبل آخر لنصنع منه حمامات وأحواضا ودرجات السلالم، ونقتطع بعض أحجار أنواع معينة من الجبال لنستخلص اليورانيوم منها؟ ونقول: انظر إلى حكمة الحق تبارك وتعالى حين خلق وحكمته حين دبر، فهذه الأرض لها محيط ولها مركز ولها أقطار، وكلما اقتربت من مركز الأرض فالقطر يقل. ومثال هذا هو البطيخة فأنت إن استخلصت القشرة الخارجية لها يكون لديك كرة من القشرة الخضراء وكرة أخرى من مكونات البطيخة التي نأكلها، ولو استخلصت كرة أخرى من مكونات الألياف الحمراء التي تتكون منها البطيخة، لصار عندك كرة أخرى، ولصار قطر الكرة الجديدة أصغر بطبيعة الحال من الكرة الخضراء. وكلما استخلصت كريات أخرى من مكونات البطيخة صغرت الأقطار لأنك تقترب من مركز الدائرة، والمحيط الأخضر الذي يحيط بالبطيخة وهو القشرة يشبه المحيط الذي يوجد على الكرة الأرضية وهذه القشرة التي توجد حول الكرة الأرضية صلبة أما ما بداخل الأرض وجوفها فهو مكون من أشياء ومواد متعددة، منها ما هو سائل ومنها ما هو صلب. وكلما اقتربنا من مركز الأرض وجدنا ارتفاعا في درجة الحرارة وتدلنا على ذلك كتل الحمم التي تخرج فوارة من فوهات البراكين وهي حمم ذات حرارة مرتفعة للغاية وهي حمم محرقة. وقد شاء الحق سبحانه أن يجعل بطن الأرض سائلا، رحمة بنا ذلك أننا حين نبني بيوتا أو نقتطع أحجارا من الجبال أو نستخدم مكونات الجبال في أي غرض إنما ننقل بعضا من مكونات الأرض من موقع إلى آخر. وحين ينتقل ثقل من مكان على سطح الأرض إلى مكان آخر فالسائل الذي في باطن الأرض ينتقل من المنطقة التي زاد عليها الثقل إلى المنطقة التي خف من فوقها الثقل ليتحقق التوازن، ولو لم يحدث ذلك لتساقطت العمارات الشاهقة التي نراها أثناء دوران الأرض. والمثل الذي يوضح ذلك أنك لو وضعت قطعة من العجين على سطح بطيخة أو كرة، وجعلت البطيخة أو الكرة في حالة دوران لطردت الكرة أو البطيخة قطعة العجين من على سطحها.