تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13.31

و لو حرف شرط يلزم لها جواب شرط، وقد ترك الحق سبحانه جواب الشرط هنا اعتمادا على يقظة المستمع. وإن كان مثل هذا القول ناقصا حين ننطق نحن به، فهو ليس كذلك حين يأتي من قول الله سبحانه فهو كامل فيمن تكلم، وقد تركها ليقظة المستمع للقرآن الذي يبتدر المعاني، ويتذكر مع هذه الآية قوله الحق:

ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر مبين

[الأنعام: 7]. وكذلك قول الحق سبحانه:

ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولكن أكثرهم يجهلون

[الأنعام: 111]. إذن: من كل نظائر تلك الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نأخذ جواب الشرط المناسب لها من تلك الآيات فيكون المعنى: لو أن قرآنا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى لما آمنوا. ويروى أن بعضا من مشركي قريش مثل: أبي جهل وعبد الله ابن أبي أمية جلسا خلف الكعبة وأرسلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له عبد الله: إن سرك أن نتبعك فسير لنا جبال مكة بالقرآن، فأذهبها عنا حتى تنفسح، فإنها أرض ضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا، حتى نغرس ونزرع، فلست - كما زعمت - بأهون على ربك من داود حين سخر له الجبال تسير معه، وسخر لنا الريح فنركبها إلى الشام نقضي عليها ميرتنا وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا، فقد سخرت الريح لسليمان بن داود، ولست بأهون على ربك من سليمان، وأحيي لنا قصب جدك، أو من شئت أنت من موتانا نسأله، أحق ما تقول أنت أم باطل؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست بأهون على الله منه، فأنزل الحق سبحانه هذه الآية وما قبلها للرد عليهم. وكانت تلك كلها مسائل يتلككون بها ليبتعدوا عن الإيمان فالرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه وجاء القرآن يحمل منهج السماء إلى أن تقوم الساعة. وقد طلبوا أن تبتعد جبال مكة ليكون الوادي فسيحا ليزرعوا ويحصدوا وطلبوا تقطيع الأرض، أي: فصل بقعة عن بقعة وكان هذا يحدث بحفر جداول من المياه، وقد قال الكافرون:

لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا

[الإسراء: 90]. والمراد من تقطيع الأرض - حسب مطلوبهم - أن تقصر المسافة بين مكان وآخر، بحيث يستطيع السائر أن يستريح كل فترة فالمسافر يترك في كل خطوة من خطواته أرضا ويصل إلى أرض أخرى، وكل يقطع الأرض على حسب قدرته ووسيلة المواصلات التي يستخدمها. فالمترف يريد أن تكون المسافة كبيرة بين قطعة الأرض والأخرى لأنه يملك الجياد التي يمكن أن يقطع بها المسافة بسهولة، أما من ليس لديه مطية فهو يحب أن تكون المسافات قريبة ليستطيع أن يستريح.

ونلحظ أن ذلك في زماننا المعاصر، فحين زاد الترف صارت السيارات تقطع المسافة من القاهرة إلى الإسكندرية دون توقف عكس ما كان يحدث قديما حين كانت السيارات تحتاج إلى راحة ومعها المسافرون بها، فيتوقفون في منتصف الطريق. ومثل ذلك قد حدث في مملكة سبأ، يقول الحق سبحانه:

فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم..

[سبأ: 19]. أي: اجعل المسافة بين مكان وآخر بعيدة، كي يتمتع المسافر القادر بالمناظر الطيبة. ولاحظنا أيضا تمادي المشركين من قريش في طلب المعجزات الخارقة بأن طلبوا إحياء الموتى في قول الحق سبحانه: ﴿ أو كلم به الموتى.. ﴾ [الرعد: 31]. وبعضهم طلب إحياء قصي بن كلاب الجد الأكبر لرسول الله ولقريش ليسألوه: أحق ما جاء به محمد؟ ولكن القرآن لم يأت لمثل تلك الأمور وحتى لو كان قد جاء بها لما آمنوا. ومهمة القرآن تتركز في أنه منهج خاتم صالح لكل عصر وتلك معجزته. ويقول سبحانه: ﴿ بل لله الأمر جميعا.. ﴾ [الرعد: 31]. وكلمة " أمر " تدل على أنه شيء واحد، وكلمة " جميعا " تدل على متعدد، وهكذا نجد أن تعدد الرسالات والمعجزات إنما يدل على أن كل أمر من أمر تلك الرسالات إنما صدر عن الحق سبحانه وهو الذي اختار كل معجزة لتناسب القوم الذين ينزل فيهم الرسول. ويتابع سبحانه: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا.. ﴾ [الرعد: 31]. وكلمة " ييأس " يقال إنها هنا بمعنى " يعلم " فهي لغة بلهجة قريش، أي: ألم يعلم الذين آمنوا أن هؤلاء الكفار لم يهتدوا لأن الله لم يشأ هدايتهم. وكان المؤمنون يودون أن يؤمن صناديد قريش كي يخف الجهد عن الفئة المسلمة فلا يضطهدونهم، ولا يضايقونهم في أرزاقهم ولا في عيالهم. ويوضح الحق سبحانه هنا أن تلك المسألة ليست مرتبطة برغبة المؤمن من هؤلاء بل الإيمان مسألة تتطلب أن يخرج الإنسان ما في قلبه من عقيدة، وينظر إلى القضايا بتجرد، وما يقتنع به يدخله في قلبه. وبذلك يمتلئ الوعاء العقدي بما يفيد كي لا تدخل في قلبك عقيدة، وتأتي عقيدة أخرى تطرد العقيدة، أو تزيغ قلبك عما تعتقد، يقول تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٦٥