13.26
والبسط هو مد الشيء. وقد أقام العلماء معركة عند تحديد ما هو الرزق، فهل الرزق هو ما أحله الله فقط؟ أم أن الرزق هو كل ما ينتفع به الإنسان سواء أكان حلالا أم حراما؟ فمن العلماء من قال: إن الرزق هو الحلال فقط ومنهم من قال: إن الرزق هو كل ما ينتفع به سواء أكان حلالا أم حراما لأنك إن قلت إن الرزق محصور في الحلال فقط إذن: فمن كفر بالله من أين يأكل؟ ألم يخاطب الحق سبحانه المكابرين قائلا:
قل من يرزقكم من السمآء والأرض..
[يونس: 31]. وقال سبحانه:
إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين
[الذاريات: 58]. ويقول تعالى:
وفي السمآء رزقكم وما توعدون * فورب السمآء والأرض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون
[الذاريات: 22-23]. إذن: فالرزق هو من الله ومن بعد ذلك يأمر " افعل كذا " و " لا تفعل كذا ". وقول الحق سبحانه: ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر.. ﴾ [الرعد: 26]. أي: أنه سبحانه يمد الرزق لمن يشاء: ﴿ ويقدر.. ﴾ [الرعد: 26]. من القدر. أي: في حالة إقداره على المقدر عليه وهو من يعطيه سبحانه على قدر احتياجه لأن القدر هو قطع شيء على مساحة شيء، كأن يعطي الفقير ويبسط له الرزق على قدر احتياجه. والحق سبحانه أمرنا أن نعطي الزكاة للفقير ويظل الفقير عائشا على فقره لأنه يعيش على الكفاف. أو: يقدر بمعنى يضيق وساعة يحدث ذلك إياك أن تظن أن التضييق على الفقير ليس لصالحه، فقد يكون رزقه بالمال الوفير دافعا للمعصية ومن العفة ألا يجد. أو: يقدر بمعنى يضيق على إطلاقها، يقول سبحانه:
لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا
[الطلاق: 7]. ولأن الله قد آتاه فهذا يعني أنه بسط له بقدره. ويتابع سبحانه: ﴿ وفرحوا بالحياة الدنيا.. ﴾ [الرعد: 26]. وطبعا سيفرح بها من كان رزقه واسعا والمؤمن هو من ينظر إلى الرزق ويقول: هو زينة الحياة الدنيا ولكن ما عند الله خير وأبقى. أما أهل الكفر فقد قالوا:
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31]. ويرد الحق سبحانه عليهم:
أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات..
[الزخرف: 32]. وساعة تبحث في تحديد هذا البعض المبسوط له الرزق والبعض المقدر عليه في الرزق لن تجد ثباتا في هذا الأمر لأن الأغيار قد تأخذ من الغني فتجعله فقيرا وقد تنتقل الثروة من الغني إلى الفقير. وسبحانه قد ضمن أسبابا عليا في الرزق لكل من المؤمن والكافر والطائع والعاصي وكلنا قد دخل الحياة ليأخذ بيده من عطاء الربوبية فإن قصر واحد فليس لهذا المرء من سبب سوى أنه لم يأخذ بأسباب الربوبية وينتفع بها.
وقد يأخذ بها الكافر وينتفع بها. والحق سبحانه هو القائل:
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب
[الشورى: 20]. إذن: فليس هناك تضييق إلا في الحدود التي يشاؤها الله، مثل أن يزرع الإنسان الأرض، ويتعب في الري والحرث ثم تأتي صاعقة أو برد مصحوب بصقيع فيأكل الزرع ويميته. وفي هذا لفت للإنسان بأنه سبحانه قد أخذ هذا الإنسان من رزقه وهو العطاء منه كي لا يفتن الإنسان بالأسباب، وقد يأتي رزقه من بعد ذلك من منطقة أخرى، وبسبب آخر. ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا.. ﴾ [الرعد: 26]. والفرح في حد ذاته ليس ممنوعا ولا محرما، ولكن الممنوع هو فرح البطر كفرح قارون:
إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح..
[القصص: 76]. والحق سبحانه قد قال:
إن الله لا يحب الفرحين
[القصص: 76]. وهذا هو فرح البطر الذي لا يحبه الله لأنه سبحانه قال في موقع آخر: