وآفة كل حكم هو تنفيذه ففي واقعنا اليومي نجد من استصدر حكما يعاني من المتاعب كي ينفذه لأن الذي يصدر الحكم يختلف عمن ينفذه، فهذا يتبع جهة، وذاك يتبع جهة أخرى. ولكن الحكم الصادر من الله إنما ينفذ بقوته سبحانه، ولا يوجد قوي على الإطلاق سواه، ولذلك يأتي قوله الحق: ﴿ وهو سريع الحساب ﴾ [الرعد: 41]. فكأن الله ينبهنا بهذا القول إلى أن الحكم بالعدل يحتاج إلى سرعة تنفيذ. ونحن نرى في حياتنا اليومية: كيف يرهق من له حكم بحق عادل ولو أننا نسرع بتنفيذ الأحكام لسادت الطمأنينة قلوب أفراد المجتمع. ونحن نجد استشراء العصبيات في الأخذ بالثأر إنما يحدث بسبب الإبطاء في نظر القضايا حيث يستغرق نظر القضية والحكم فيها سنوات مما يجعل الحقد يزداد. لكن لو تم تنفيذ الحكم فور معرفة القاتل، وفي ظل الانفعال بشراسة الجريمة لما ازدادت عمليات الثأر ولهدأت النفوس. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر... ﴾.
13.42
وهنا يخبر الحق سبحانه رسوله، وأي سامع لهذا البلاغ يستقرئ موكب الرسالات السابقة وسيجد أن كل أمة أرسل لها رسول مكرت به وكادت له كي تبطل دعواه، ولم ينفع أي أمة أي مكر مكرته أو أي كيد كادته، فكل الرسالات قد انتصرت. فسبحانه القائل:
كتب الله لأغلبن أنا ورسلي..
[المجادلة: 21]. وهو القائل:
ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون
[الصافات: 171-173]. والحق سبحانه حين يورد حكما فبالقرآن وهو الذي حفظ هذا القرآن فلن تأتي أي قضية كونية لتنسخ الحكم القرآني. وأنت إذا استقرأت مواكب الرسل كلها تجد هذه القضية واضحة تماما كما أثبتها الحق سبحانه في القرآن المحفوظ وما حفظه سبحانه إلا لوثوقه بأن الكونيات لا يمكن أن تتجاوزه. وبالفعل فقد مكرت كل أمة برسولها ولكن الحق سبحانه له المكر جميعا ومكر الله خير للبشرية من مكر كل تلك الأمم ومكره سبحانه هو الغالب، وإذا كان ذلك قد حدث مع الرسل السابقين عليك يا رسول الله فالأمر معك لا بد أن يختلف لأنك مرسل إلى الناس جميعا، ولا تعقيب يأتي من بعدك. وكل تلك الأمور كانت تطمئنه صلى الله عليه وسلم فلا بد من انتصاره وانتصار دعوته فسبحانه محيط بأي مكر يمكره أي كائن وهو جل وعلا قادر على أن يحبط كل ذلك. ويتابع سبحانه في نفس الآية: ﴿ يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ﴾ [الرعد: 42]. والحق سبحانه يعلم ما يخفى عن الأعين في أعماق الكائنات خير هو أو شر، ويحمي من شاء من عباده من مكر الماكرين، وينزل العقاب على أصحاب المكر السيء بالرسل والمؤمنين. ولسوف يعلم الكافرون أن مصيرهم جهنم، وبئس الدار التي يدخلونها في اليوم الآخر فضلا عن نصرة رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا وخزيهم فيها. وهكذا يكونون قد أخذوا الخزي كجزاء لهم في الدنيا ويزدادون علما بواقع العذاب الذي سيلقونه في الدار الآخرة. وينهي الحق سبحانه سورة الرعد بهذه الآية: ﴿ ويقول الذين كفروا... ﴾.