13.13
وسبق أن جاء الحق سبحانه بذكر البرق وهو ضوئي وهنا يأتي بالرعد وهو صوتي، ونحن نعرف أن سرعة الضوء أسرع من سرعة الصوت ولذلك جاء بالبرق أولا، ثم جاء بالرعد من بعد ذلك. وحين يسمع أحد العامة واحدا لا يعجبه كلامه يقول له " سمعت الرعد " أي: يطلب له أن يسمع الصوت المزعج الذي يتعب من يسمعه. ولنا أن ننتبه أن المزعجات في الكون إذا ما ذكرت مسبحة لربها فلا تنزعج منها أبدا، ولا تظن أنها نغمة نشاز في الكون، بل هي نغمة تمتزج ببقية أنغام الكون. ونحن نفهم أن التسبيح للعاقل القادر على الكلام، ولكن هذا عند الإنسان لأن الذي خلق الكائنات كلها علمها كيف تتفاهم، مثلما علم الإنسان كيف يتفاهم مع بني جنسه وكذلك علم كل جنس لغته. وكلنا نقرأ في القرآن ماذا قالت النملة حين رأت جنود سليمان:
ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون
[النمل: 18]. وقد سمعها سليمان عليه السلام لأن الله علمه منطق تلك اللغات، ونحن نعلم أن الحق سبحانه علم سليمان منطق الطير، قال تعالى:
علمنا منطق الطير..
[النمل: 16]. ألم يتخاطب سليمان عليه السلام مع الهدهد وتكلم معه؟ بعد أن فك سليمان بتعليم الله له شفرة حديث الهدهد وقال الهدهد لسليمان:
أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين * إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم
[النمل: 22-23]. إذن: فكل شيء له لغة يتفاهم بها لقضاء مصالحه، ومن يفيض الله عليه من أسرار خلقه يسمعه هذه اللغات، وقد فاض الحق سبحانه على سليمان بذلك، ففهم لغة الطير وتكلم بها مع الهدهد وقال له:
اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون
[النمل: 28]. وهكذا عرفنا بقصة سليمان وبلقيس وكيف فهم سليمان منطق الطير وتكلم بها مع الهدهد؟ وهكذا علمنا كيف يتعلم الإنسان لغات متعددة فحين يذهب إنسان إلى مجتمع آخر ويبقى به مدة فهو يتعلم لغة ذلك المجتمع، ويمكن للإنسان أن يتعلم أكثر من لغة. وقد عرض الحق سبحانه مسألة وجود لغات للكائنات في قصة النملة وقصة الهدهد مع سليمان وهما من المرتبة التالية للبشر، ويعرض الحق سبحانه أيضا قضية وجود لغة لكل كائن من مخلوقاته في قوله:
وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين
[الأنبياء: 79]. وكأن الجبال تفهم تسبيح داود وتردده من خلفه. أيضا يقول الحق سبحانه:
إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق * والطير محشورة كل له أواب
[ص: 18-19]. وكذلك يخاطب الله الأرض والسماء، فيقول:
فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها..
[فصلت: 11]. فيمتثلان لأمره:
قالتآ أتينا طآئعين
[فصلت: 11]. وهكذا نعلم أن لكل جنس لغة يتفاهم بها، ونحن نلحظ أن لكل نوع من الحيوانات صوتا يختلف من نوع إلى آخر، ويدرس العلماء الآن لغة الأسماك، ويحاولون أن يضعوا لها معجما. إذن: فساعة تسمع:
تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده..
[الإسراء: 44]. فافهم أن ما من كائن إلا وله لغة، وهو يسبح بها الخالق الأكرم. ثم يقول تعالى:
ولكن لا تفقهون تسبيحهم..
[الإسراء: 44]. مثلما لا يفقه جاهل بالإنجليزية لغة الإنجليز. وقال البعض: إن المراد هنا هو تسبيح الدلالة على الخالق وقد حكم سبحانه بأننا لا نستطيع فهم تسبيح الدلالة. ولكني أقول: إن العلم المعاصر قد توصل إلى دراسة لغات الكائنات وأثبتها وعلى ذلك يكون التسبيح من الكائنات بالنطق والتفاهم بين متكلم وسامع، بل ولتلك الكائنات عواطف أيضا. ونحن نرى العلماء في عصرنا يدرسون عواطف الشجر تجاه من يسقيه من البشر، وهنا تجربة تتحدث عن قياس العلماء لذبذبة النبات أثناء ريه بواسطة مزارع مسئول عنه ثم مات الرجل فقاسوا ذبذبة تلك النباتات فوجدوها ذبذبة مضطربة وكأن تلك النباتات قد حزنت على من كان يعتني بها وهكذا توصل العلماء إلى معرفة أن النباتات لها عواطف. وقد بين لنا الحق سبحانه أن الجمادات لها أيضا عواطف بدليل قوله عن قوم فرعون: