تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الكهف: 83-87]. أي: أنه قد أخذ تفويضا بأن يقيم الأمر في هؤلاء الناس، فأقامه على أساس من الثواب والعقاب فمن أحسن فله الجزاء الحسن ومن أساء يلقى العقاب، وهكذا نجد عذاب الدنيا ضروريا لسلامة حركة الحياة من بطش من لا يؤمنون بالله. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول بعد ذلك: ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا... ﴾.

13.34

ولهؤلاء المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة عذاب في الدنيا بالقتل والأسر والمصائب والكوارث التي لا يقدرون عليها، وفوق ذلك لهم عذاب في الآخرة أكثر شدة من عذاب الدنيا فليس لهم من يحميهم، أو يقيم بينهم وبين عذاب الله وقاية أو عصمة. وفي المقابل يقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون... ﴾.

13.35

والمصدر الأساسي الذي وعد المتقين بالجنة هنا هو الله، وقد بلغ عنه الرسل - عليهم السلام - هذا الوعد، وتلاهم العلماء المبلغون عن الرسل. وأنت حين تنظر إلى فعل يشيع بين عدد من المصادر، تستطيع أن تبحث عن المصدر الأساسي، والمثل هو قول الحق سبحانه:

الله يتوفى الأنفس حين موتها..

[الزمر: 42]. ويقول في موقع آخر من القرآن:

قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم..

[السجدة: 11]. وهكذا تكون التوفية قد آلت إلى الله وآلت إلى ملك الموت، وقد أخذ ملك الموت مسئولية التوفية من إسناد الحق له تلك المهمة ويكون نسبتها لملك الموت هو نوع من إيضاح الطرف الذي يوكل له الحق سبحانه تنفيذ المهمة. ومرة يأتي الحق سبحانه بالمصدر الأصلي الذي يصدر الأمر لملك الموت بمباشرة مهمته. وهنا في الآية الكريمة نجد قول الحق سبحانه: ﴿ وعد المتقون.. ﴾ [الرعد: 35]. وهي مبنية لما لم يسم فاعله فالوعد منه سبحانه.

" ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعد أيضا، فها نحن قد جاء إلينا خبر بيعة العقبة حين أخذ البيعة من الأنصار، وقالوا له: خذ لنفسك، فأخذ لنفسه ما أراد، ثم قالوا له: وماذا نأخذ نحن إن أدينا هذا؟ فقال لهم: " لكم الجنة ".

وقد قال صلى الله عليه وسلم ذلك لأن العمل الذي فعلوه لا يكفيه أجرا إلا الجنة، ومن المعقول أن أي واحد من الذين حضروا العقبة قد يتعرض للموت من بعد معاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أنه وعدهم بما في الدنيا من متاع قد يأخذه البعض فيما بعد فالذي يموت قبل هذا لا بد أن يدرك شيئا مما وعد الرسول من عاهدوه ولذلك أعطاهم ما لا ينفد، وهو الوعد بالجنة. والحق سبحانه هنا - في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها - يقول: ﴿ مثل الجنة.. ﴾ [الرعد: 35]. أي: أنه يضرب لنا المثل فقط لأن الألفاظ التي نتخاطب بها نحن قد وضعت لمعان نعرفها وإذا كانت في الجنة أشياء لم ترها عين ولم تسمعها أذن، ولم تخطر على بال بشر فمن الممكن أن نقول إنه لا توجد ألفاظ عندنا تؤدي معنى ما هناك، فيضرب الله الأمثال لنا بما نراه من الملذات ولكن يأخذ منها المكدرات والمعكرات. وهكذا نعرف أن هناك فارقا بين " مثل الجنة " وبين " الجنة " ، فالمثل يعطيني صورة أسمعها عن واقع لا أعلمه لأن معنى التمثيل أن تلحق مجهولا بمعلوم لتأخذ منه الحكم. مثلما تقول لصديق: أتعرف فلانا فيقول لك: " لا ". فتقول له: " إنه يشبه فلانا الذي تعرفه ".

وأنت تفعل ذلك كي تشبه مجهولا بمعلوم لتأتي الصورة في ذهن سامعك. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم شرحا لما أجمله القرآن:

وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين..

[الزخرف: 71]. ويضيف صلى الله عليه وسلم:

" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ".

وحين تدقق في هذا القول النبوي الكريم تجد الترقي كاملا فقوله: " ما لا أذن سمعت " جاء لأنه يعلم أن مدركات العين محدودة بالنسبة لما تعلم الأذن لأن الأذن تسمع ما لا تدركه العين فهي تسمع ما يراه غيرك بالإضافة إلى ما تراه أنت. فالأذن تسمع القريب وتسمع البعيد وتنقل صوته وتستحضره ثم تميزه، بخلاف العين فهي محدودة المسافة حسب قوة الإبصار، ومع كل فنعيم الجنة فوق كل هذا الفوق. ثم يأتي الترقي الأكبر في قوله: " ولا خطر على قلب بشر ". والخواطر أوسع من قدرة الأذن وقدرة العين فالخواطر تتخيل أشياء قد تكون غير موجودة. وهكذا نرى عجز اللغة عن أن توجد بها ألفاظ تعبر عن معنى ما هو موجود بالجنة، ولا أحد فينا يعلم ما هي الأشياء الموجودة بالجنة، وما دام أحد منا لم ير الجنة وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٧١