13.39
والمحو كما نعلم هو الإزالة، والتثبيت أي: أن يبقي الحق ما يراه ثابتا. وقد فهم بعض الناس - خطأ - أن كل حكم في القرآن قد جاء ليثبت وسيظل هكذا أبد الدهر ولكن عند التطبيق ظهر أن بعض الأحكام يقتضي تغييرها يغيرها الله لحكمة فيها خير البشرية. ونقول: لا، لم يحدث ذلك، ولكن كانت هناك أحكام مرحلية ولها مدة محددة ولذلك جاء قول الحق سبحانه: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ [الرعد: 39]. أي: عنده اللوح المحفوظ الذي تحددت فيه الأحكام التي لها مدة محددة وما أن تنتهي إلا وينزل حكم آخر مكانها، وعلى هذا المعنى يمكن أن نقول: إنه لم يوجد نسخ للأحكام، لأن معنى النسخ أن يزحزح حكما عن زمانه وهنا لم نجد حكما يتزحزح عن زمانه لأن كل حكم موقوت بوقت محدود وما أن ينتهي الوقت حتى يبدأ حكم جديد. أقول ذلك كي أنبه العلماء إلى ضرورة أن يجلسوا معا لدراسة ذلك، حتى لا يختلف العلماء: أهناك نسخ أم لا، وأقول: فلنحدد النسخ أولا، لأن البعض يظن أن هناك حكما كان يجب أن ينسحب على كل الأزمنة، ثم جاء حكم آخر ليحل محله لحكمة تقتضيها مصلحة البشرية والمراد لله منها. ولا يوجد حكم أنهى حكما وطرأ عليه ساعة الإنهاء بل كل الأحكام كانت مقدرة أزلا وعلى ذلك فلا يوجد نسخ لأي حكم، ولكن هناك أحكام ينتهي وقتها الذي قدره الله لها ويأتي حكم سبق تقديره أزلا ليواصل الناس الأخذ به وما دام الأمر كذلك فلا يوجد نسخ. ولننظر إلى قول الحق سبحانه:
ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها..
[البقرة: 106]. ويتضح من منطوق الآية ومفهومها أن عند نسخ حكم يأتي الله بمثله أو خير منه. إذن: ليس هناك نسخ وإنما هناك أحكام تؤدي مهمتها في زمن ثم يأتي زمن يحتاج إلى حكم خير منه أو مثله في الحكم، ولكنه يوافق المصالح المرسلة مع مراد الله. ولقائل أن يقول: ما دام سيأتي بخير من الآية المنسوخة أو المنسأة فذلك أفضل، ولكن لماذا يأتي بالمثل؟ وأقول: لأنك إن جاءك ما هو خير منها قد تستسيغه، ولكن حين ننتقل إلى مثل ما جاءت به الآية فهذا محك الإيمان. والمثل هو التوجه في الصلاة إلى بيت المقدس في أول الدعوة ثم مجيء الأمر بتحويل القبلة إلى الكعبة فلا مشقة في ذلك. ولكن هنا يتم اختبار الالتزام الإيماني بالتكليف، وهنا الانصياع للحكم الذي ينزله الله، وهو حكم مقدر أزلا وفي هذا اختبار لليقين الإيماني في إدارة توجيه المدبر لهذا السير. وكذلك في الحج يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ليقبل الحجر الأسود ثم يرجم الحجر الذي يرمز لإبليس، ونحن نفعل ذلك أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلاهما حجر، ولكننا نمتثل لأمره صلى الله عليه وسلم.
فتقبيل الحجر الأسود ورجم الحجر الذي يشير إلى رمزية إبليس، كل هذا استجابة لأمر الآمر. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿ يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ [الرعد: 39]. فهو يعني أنه سبحانه ينهي زمن الحكم السابق الذي ينتهي زمنه في أم الكتاب أي اللوح المحفوظ ثم يأتي الحكم الجديد. والمثال: هو حكم الخمر وقد عالجها الحق سبحانه أولا بما يتفق مع قدرة المجتمع وكان المطلب الأول هو تثبيت العقيدة ثم تجيء الأحكام من بعد ذلك. وهناك فرق بين العقيدة - وهي الأصل - وبين الأحكام، وهي تحمل أسلوب الالتزام العقدي، وكان الحكم في أمر العقيدة ملزما ومستمرا. أما الأحكام مثل حكم الخمر فقد تدرج في تحريمها بما يتناسب مع إلف الناس واعتيادهم فقلل الحق سبحانه زمن صحبة الخمر ثم جاء التحريم والأمر بالاجتناب، وعدم القرب منها. والمثل في حياتنا حيث نجد من يريد أن يمتنع عن التدخين وهو يوسع من الفجوة الزمنية بين سيجارة وأخرى، إلى أن يقلع عنها بلطف، وينفيها من حياته تماما. ونجد القرآن يقول في الخمر: