13.4
هذه الآية جاءت بشيء من التفصيل لقول الحق سبحانه في أواخر سورة يوسف:
وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون
[يوسف: 105]. وتلك آية تنضم إلى قوله تعالى:
رفع السماوات بغير عمد ترونها..
[الرعد: 2]. وتنضم إلى:
يدبر الأمر يفصل الآيات..
[الرعد: 2]. وتنضم إلى قوله سبحانه:
وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي اليل النهار..
[الرعد: 3]. وحين نتأمل قول الحق سبحانه: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات.. ﴾ [الرعد: 4]. نجد أننا لا نستطيع أن نعرفها بأنها التي يعيش عليها أمثالنا تلك هي الأرض، ولو أردنا تعريفها لأبهمناها، فهي أوضح من أن تعرف. وكلمة " قطع " تدل أول ما تدل على " كل " ينقسم إلى أجزاء، وهذا الكل هو جنس جامع للكلية وفيه خصوصية تمييز قطع عن قطع. وأنت تسمع كلام العلماء عن وجود مناطق من الأرض تسمى حزام القمح، ومناطق أخرى تسمى حزام الموز ومناطق حارة وأخرى باردة. وقول الحق سبحانه: ﴿ قطع متجاورات.. ﴾ [الرعد: 4]. هو قول يدل على الإعجاز فعلى الرغم من أنها متجاورات إلا أن كلا منها تناسب الطقس الذي توجد فيه فزراعة الذرة تحتاج مناخا معينا وكذلك زراعة الموز. وهكذا تجد كل منطقة مناسبة لما تنتجه، فالأرض ليست عجينة واحدة استطراقية، لا بل هي تربة مناسبة للجو الذي توجد به. ومن العجيب أن فيها الأسرار التي يحتاجها الإنسان هذا السيد الذي تخدمه كل الكائنات، فليست الأرض سائلة في التماثل بل تختلف بما يناسب الظروف، فهناك قطعة سبخة لا تنبت وأخرى خصبة تنبت. بل وتختلف الخصوبة من موقع إلى آخر ومن قطعة إلى أخرى فثمرة الجوافة من شجرة معينة في منطقة معينة تختلف عن ثمرة الجوافة من شجرة في منطقة أخرى والقمح في منطقة معينة يختلف عن القمح في منطقة أخرى ويقال لك " إنه قمح فلان ". ويحدث ذلك رغم أن الأرض تسقى بماء واحد. ويقول العلماء البعيدون عن منطق السماء: " إن السبب في الاختلاف هو عملية الاختيار والانتخاب ". وكأنهم لا يعرفون أن الاختيار يتطلب مختارا، وأن يكون له عقل يفكر به ليختار، وكذلك الانتخاب فهل البذيرات تملك عقلا تفكر به وتختار؟ طبعا لا. ويقولون: إن النبات يتغذى بالخاصية الشعرية، ونعلم أن الأنابيب الشعرية التي نراها في المعامل تكون من الزجاج الرفيع وإذا وضعناها في حوض ماء، فالماء يرتفع فيها على مستوى الإناء. وإن صدقنا العلماء في ذلك، فكيف نصدقهم في أن شجرة ما تأخذ ماء من الشجرة الأخرى وتنتج كل منهما نفس الثمار لكن ثمار شجرة تختلف عن الأخرى في الطعم؟ ونقول: إن كل شجرة تأخذ من الأرض ما ينفعها ولذلك تختلف النباتات، ويحدث كل ذلك بقدرة الذي قدر فهدى.
وهكذا نرى الأرض قطعا متجاورات منها ما يصلح لزراعة تختلف عن زراعة الأرض الأخرى. وقد يقول بعض من الملاحدة: إن هذا الاختلاف بسبب الطبيعة والبيئة. وهؤلاء يتجاهلون أن الطبيعة في مجموعها هي الشمس التي تعطي الضوء والحرارة والإشعاع، والقمر أيضا يعكس بعضا من الضوء، والنجوم تهدي من يسير في الفلاة، وتيارات الهواء تتناوب ولها مسارات ومواعيد. ورغم كل ذلك فهناك أرض خصبة تنتج، وأرض سبخة لا تنتج، وأرض حمراء وأخرى سوداء، وثالثة رملية، وكلها متجاورة. لا بد إذن من وجود فاعل مختار يأمر هذه أمرا مختلفا عن تلك. ويتابع الحق سبحانه في نفس الآية: ﴿ وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان.. ﴾ [الرعد: 4]. وجاء الحق سبحانه هنا بالمرفهات أولا فتحدث عن الفاكهة ثم تحدث عن الزرع الذي منه القوت الأساسي، ونحن في حياتنا نفعل ذلك فحين تدخل على مائدة أحد الكبار تجد الفاكهة معدة على أطباق بجانب المائدة الرئيسية التي يقدم عليها الطعام. ويأتي الحق سبحانه بعد الأعناب والزرع الذي منه القوت الضروري بالنخيل، وهو الذي ينتج غذاء، وقد يكون التمر الذي ينتجه ترفا يتناوله الإنسان بعد تناول الطعام الضروري. وقول الحق سبحانه: ﴿ صنوان وغير صنوان.. ﴾ [الرعد: 4]. يتطلب منا أن نعرف ما الصنوان؟ ونجد الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: