تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض..

[المؤمنون: 71]. ذلك أنه سبحانه لو اتبع أهواءهم لضاع نظام الكون ألم يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا..

[الإسراء: 92]. ولو استجاب الحق مثلا لهذه الدعوة، ألم تكن السماء لتفسد؟ إذن: فبعد أن نزل القرآن من السماء حكما وعلما ومنهجا يسهل عليهم فهمه، لأنه بلغتهم، وهم يحمل كامل المنهج إلى أن تقوم الساعة، وفيه دليل السعادة في الدنيا والآخرة. لذلك فليس لأحد أن يتبع هواه فالهوى - كما نعلم - يختلف من إنسان لآخر، والخطاب الموجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتضمن في طياته الخطاب لأمته صلى الله عليه وسلم. ومن يفعل ذلك فليس له من دون الله ولي يؤازره أو ينصره، أو يقيه عذاب الحق: شقاء في الدنيا، وإلقاء في الجحيم في الآخرة. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك... ﴾.

13.38

وأنت يا محمد لست بدعا من الرسل في مسألة الزواج والإنجاب. وهي تحمل الرد على من قالوا:

مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق..

[الفرقان: 7]. ومنهم من قال: ما لهذا الرسول يتزوج النساء؟ ألم يكن من اللائق أن يتفرغ لدعوته؟ وهؤلاء الذين قالوا ذلك لم يستقرئوا الموكب الرسالي، لأنهم لو فعلوا لوجدوا أن أغلب الرسل قد تزوجوا وأنجبوا. وحين تكون حياة الرسول قريبة - كمثال واضح - من حياة الناس الذين أرسل إليهم ليكون أسوة لهم فالأسوة تتأتى بالجنس القابل للمقارنة وحين تكون حياة الرسول كحياة غيره من البشر في إطارها العام كأب وزوج، فالأسوة تكون واضحة للناس. ونعلم أن هناك من جاء إلى رسول الله ليطلب الإذن بالتفرغ التام للعبادة من: صوم وصلاة وزهد عن النساء، فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال في حديث شريف:

" إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ".

ويتابع الحق سبحانه: ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب ﴾ [الرعد: 38]. أي: ما كان لأحد أن يقترح على الله الآية التي تأتي مع أي رسول من الرسل، ولم يكن لأي رسول حق في اختيار الآية المصاحبة له. وبهذا القول حسم الحق سبحانه قضية طلب المشركين لآيات من الرسول صلى الله عليه وسلم لأن كل رسول جاء لزمنه ولقومه وكل معجزة كانت من اختيار الله، وكل رسول يؤدي ما يكلفه به الله وليس للرسول أن يقترح على الله آية ما لأن الخالق الأعلى هو الأعلم بما يصلح في هذه البيئة على لسان هذا الرسول. ونأخذ من قوله الحق: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ [الرعد: 38]. أن لكل رسالة رسولها، ولكل رسالة مكانها، ولكل رسالة معجزتها، فإذا كان الأمر كذلك فدعوا محمدا صلى الله عليه وسلم وما اختاره الله له في المكان الذي شاءه سبحانه، وفي الزمان وفي المعجزة المصاحبة له صلى الله عليه وسلم. ولكن، أهناك تغيير بعد أن يقول الحق سبحانه: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ [الرعد: 38]. نعم هناك تغيير، وانظروا إلى قول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ يمحوا الله ما يشآء... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٧٦