13.24
والسلام يعني الاطمئنان والرضا الذي لا تأتي بعده الأغيار لأن السلام في الدنيا قد تعكر أمنه أغيار الحياة فأنتم أيها المؤمنون الذين دخلتم الجنة بريئون من الأغيار. وقال صلى الله عليه وسلم عن لحظات ما بعد الحساب:
" الجنة أبدا، أو النار أبدا ".
ولذلك يقول سبحانه عن خيرات الجنة:
لا مقطوعة ولا ممنوعة
[الواقعة: 33]. والملائكة كما نعلم نوعان: الملائكة المهيمون الذين يشغلهم ذكر الله تعالى عن أي شيء ولا يدرون بنا ولا يعلمون قصة الخلق وليس لهم شأن بكل ما يجري فليس في بالهم إلا الله وهم الملائكة العالون الذين جاء ذكرهم في قصة السجود لآدم حين سأل الحق سبحانه الشيطان:
أستكبرت أم كنت من العالين
[ص: 75]. أي: أن العالين هنا هم من لم يشملهم أمر السجود، وليس لهم علاقة بالخلق، وكل مهمتهم ذكر الله فقط. أما النوع الثاني فهم الملائكة المدبرات أمرا، ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد استدعى آدم إلى الوجود هو وذريته، وأعد له كل شيء في الوجود قبل أن يجئ الأرض مخلوقة والسماء مرفوعة والجبال الرواسي بما فيها من قوت والشمس والقمر والنجوم والمياه والسحاب. والملائكة المدبرات هم من لهم علاقة بالإنسان الخليفة، وهم من قال لهم الحق سبحانه:
اسجدوا لأدم..
[البقرة: 34]. وهم الذين يتولون أمر الإنسان تنفيذا لأوامر الحق سبحانه لهم، ومنهم الحفظة الذين قال فيهم الحق سبحانه:
له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله..
[الرعد: 11]. أي: أن الأمر صادر من الله سبحانه، وهم بعد أن يفرغوا من مهمتهم كحفظة من رقيب وعتيد على كل إنسان، ولن يوجد ما يكتبونه من بعد الحساب وتقرير الجزاء وهنا سيدخل هؤلاء الملائكة على أهل الجنة ليحملوا ألطاف الله والهدايا فهم منوط بهم الإنسان الخليفة. وسبحانه حين يورد كلمة في القرآن بموقعها البياني الإعرابي فهي تؤدي المعنى الذي أراده سبحانه. والمثل هو كلمة " سلام " فضيف إبراهيم من الملائكة:
قالوا سلاما قال سلام..
[هود: 69]. وكان القياس يقتضي أن يقول هو " سلاما " ، ولكنها قضية إيمانية، لذلك قال:
سلام..
[هود: 69]. فالسلام هنا لم يأت منصوبا بل جاء مرفوعا لأن السلام للملائكة أمر ثابت لهم وبذلك حياهم إبراهيم بتحية هي أحسن من التحية التي حيوه بها. فنحن نسلم سلاما وهو يعني أن نتمنى حدوث الفعل، ولكن إبراهيم عليه السلام فطن إلى أن السلام أمر ثابت لهم. وهكذا الحال هنا حين تدخل الملائكة على العباد المكرمين بدخول الجنة، فهم يقولون: ﴿ سلام.. ﴾ [الرعد: 24]. وهي مرفوعة إعرابيا لأن السلام أمر ثابت مستقر في الجنة، وهم قالوا ذلك لأنهم يعلمون أن السلام أمر ثابت هناك لا يتغير بتغير الأغيار كما في أمر الدنيا.
والسلام في الجنة لهؤلاء بسبب صبرهم، كما قال الحق سبحانه على ألسنة الملائكة: { سلام عليكم بما صبرتم..] [الرعد: 24]. وجاء الصبر في صيغة الماضي، وهي صيغة صادقة فهم قد صبروا في الدنيا وانتهى زمن الصبر بانتهاء التكليف. وهم هنا في دار جزاء ولذلك يأتي التعبير بالماضي في موقعه لأنهم قد صبروا في دار التكليف على مشقات التكليف صبروا على الإيذاء وعلى الأقدار التي أجراها الحق سبحانه عليهم. وهكذا يكون قول الحق سبحانه: { سلام عليكم بما صبرتم..] [الرعد: 24]. في موقعه تماما. وكذلك قوله الحق عمن توفرت فيهم التسع صفات، وهم في الدنيا:
والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم..
[الرعد: 22]. وجاء بالصبر هنا في الزمن الماضي رغم أنهم ما زالوا في دار التكليف والذي جعل هذا المعنى متسعا هو مجىء كل ما أمر به الله بصيغة المضارع مثل قوله تعالى:
الذين يوفون بعهد الله..
[الرعد: 20]. وهذه مسألة تحتاج إلى تجديد دائم وقوله:
ولا ينقضون الميثاق