[البقرة: 282]. وظاهر الأمر أنه يحمي الدائن، ولكن الحقيقة أنه يحمي المدين أيضا لأن المدين إن علم أن الدين موثق فهو سيسعى جاهدا أن يؤديه في موعده، وأيضا كي لا يأخذ النصابون فرصة للهرب من السداد، وبذلك حمى القرآن الدائن والمدين معا كي لا تقف حركة التعامل بين الناس. ومع هذا فإنه لم يمنع الأريحية الإيمانية والمروءة أن تسلك طريقها في عالم الود والإخاء المؤمن فإن كان لك قريب أو إنسان لك به صلة، وأنت تأمنه على ما اقترض منك يقول لك الحق سبحانه:
فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه..
[البقرة: 283]. وبهذا القول يشعر من يحمل أمانة من الغير بالخجل فيعمل على ردها. ثم يضيف الحق سبحانه:
إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها..
[البقرة: 282]. وهكذا جاء الإسلام بقوانين لا يمكن أن تخرج من أمة أمية لأنها قوانين تسبق العصور، وهي قوانين تنبع من دين سماوي خاتم. ولذلك عندما سألوني عن موقف الإسلام من التقدمية والرجعية، قلت لهم: إن القياس خاطئ لأنك لن تستطيع أن تقيس فكر بشر بما أنزله رب كل البشر، وإذا كان العالم بشرقه وغربه يهتدي إلى أي خير تنتظم به حياته ويجد جذورا لذلك الخير في الإسلام فهذا دليل على أن العالم يتجه إلى الوسطية. وكان المثل في الشيوعية التي قامت ثورتها الدموية في عام 1917 وقالوا: إنها مقدمة للشيوعية وسقطت الشيوعية من بعد أن أصيب المجتمع الروسي بالتيبس والجمود، والخوف من أسلوب حكم الحزب الشيوعي.
ونجد الرأسمالية الشرسة، وهي تهذب من شراستها وتعطي العامل حقه وتؤمن عليه، وهكذا يتجه العالم إلى الوسطية التي دعا لها الإسلام. وقد نزل الإسلام من قبل عالم عليم بكل الأهواء وبكل المراحل. ولذلك نجد الحق سبحانه وهو يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم إن آذاه أحد في المنهج الذي جاء به لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن ليأبه بمن يحاول أن يؤذيه في شخصه، وكان صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه ولكن إن تعرض أحد للمنهج فغضبه صلى الله عليه وسلم يظهر جليا. ومن وقفوا ضد الدين قابلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة فمن آمن منهم نال حلاوة الإيمان ومن لم يؤمن فقد توالت عليه المصائب من كل جانب، منهم من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مصارعه. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم:
فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون
[الزخرف: 41-42]. أي: أنه جل وعلا إما أن يلحق رسوله بالرفيق الأعلى، وينتقم من الذين وقفوا ضده أو يريه عذابهم رأى العين. وكأن هذا القول هو الذي يشرح قوله سبحانه هنا: ﴿ وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ﴾ [الرعد: 40]. وعذاب الدنيا - كما نؤمن - مهما بلغ فلن يصل إلى مرتبة عذاب الآخرة. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها... ﴾.