تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونقول: إننا إن استقرأنا آيات القرآن سنجد قول الحق سبحانه:

والله لا يهدي القوم الكافرين

[البقرة: 264]. ونجد قول الحق سبحانه:

إن الله لا يهدي القوم الظالمين

[المائدة: 51]. ويقول سبحانه أيضا:

...والله لا يهدي القوم الفاسقين

[المائدة: 108]. ومن كل ذلك نفهم أن العمل السابق منهم هو الذي يجعله سبحانه لا يهديهم، لأن الإنسان ما دام قد جاء له حكم أعلى، ويؤمن بمصدر الحكم فمن أنزل هذا الحكم يعطي للإنسان معونة، لكن من يكذب بمصدر الحكم الأعلى فسبحانه يتركه بلا معونة. أما من يرجع إلى الله فسبحانه يهديه ويدله ويعينه بكل المدد. ويواصل الحق ما يمنحه سبحانه من اطمئنان لمن ينيب إليه، فيقول: ﴿ الذين آمنوا وتطمئن... ﴾.

13.28

ومعنى الاطمئنان سكون القلب واستقراره وأنسه إلى عقيدة لا تطفو إلى العقل ليناقشها من جديد. ونعلم أن الإنسان له حواس إدراكية يستقبل بها المحسات وله عقل يأخذ هذه الأشياء ويهضمها بعد إدراكها ويفحصها جيدا، ويتلمس مدى صدقها أو كذبها ويستخرج من كل ذلك قضية واضحة يبقيها في قلبه لتصبح عقيدة، لأنها وصلت إلى مرحلة الوجدان المحب لاختيار المحبوب. وهكذا تمر العقيدة بعدة مراحل فهي أولا إدراك حسي ثم مرحلة التفكر العقلي ثم مرحلة الاستجلاء للحقيقة ثم الاستقرار في القلب لتصبح عقيدة. ولذلك يقول سبحانه: ﴿ وتطمئن قلوبهم.. ﴾ [الرعد: 28]. فاطمئنان القلب هو النتيجة للإيمان بالعقيدة وقد يمر على القلب بعض من الأغيار التي تزلزل الإيمان، ونقول لمن تمر به تلك الهواجس من الأغيار: أنت لم تعط الربوبية حقها لأنك أنت الملوم في أي شيء ينالك. فلو أحسنت استقبال القدر فيما يمر بك من أحداث، لعلمت تقصيرك فيما لك فيه دخل بأي حادث وقع عليك نتيجة لعملك، أما ما وقع عليك ولا دخل لك فيه فهذا من أمر القدر الذي أراده الحق لك لحكمة قد لا تعلمها، وهي خير لك. إذن: استقبال القدر إن كان من خارج النفس فهو لك، وإن كان من داخل النفس فهو عليك. ولو قمت بإحصاء ما ينفعك من وقوع القدر عليك لوجدته أكثر بكثير مما سلبه منك. والمثل هو الشاب الذي استذكر دروسه واستعد للامتحان لكن مرضا داهمه قبل الامتحان ومنعه من أدائه. هذا الشاب فعل ما عليه وشاء الله أن ينزل عليه هذا القدر لحكمة ما كأن يمنع عنه حسد جيرانه أو حسد من يكرهون أمه أو أباه، أو يحميه من الغرور والفتنة في أنه معتمد على الأسباب لا على المسبب. أو تأخير مرادك أمام مطلوب الله يكون خيرا. وهكذا فعلى الإنسان المؤمن أن يكون موصولا بالمسبب الأعلى، وأن يتوكل عليه سبحانه وحده، وأن يعلم أن التوكل على الله يعني أن تعمل الجوارح، وأن تتوكل القلوب لأن التوكل عمل قلبي، وليس عمل القوالب. ولينتبه كل منا إلى أن الله قد يغيب الأسباب كي لا نغتر بها، وبذلك يعتدل إيمانك به ويعتدل إيمان غيرك. وقد ترى شابا ذكيا قادرا على الاستيعاب، لكنه لا ينال المجموع المناسب للكلية التي كان يرغبها فيسجد لله شكرا متقبلا قضاء الله وقدره فيوفقه الله إلى كلية أخرى وينبغ فيها ليكون أحد البارزين في المجال الجديد. ولهذا يقول الحق سبحانه:

وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون

[البقرة: 216]. وهكذا نجد أن من يقبل قدر الله فيه، ويذكر أن له ربا فوق كل الأسباب فالاطمئنان يغمر قلبه أمام أي حدث مهما كان.

وهكذا يطمئن القلب بذكر الله وتهون كل الأسباب لأن الأسباب إن عجزت فلن يعجز المسبب. وقد جاء الحق سبحانه بهذه الآية في معرض حديثه عن التشكيك الذي يثيره الكافرون، وحين يسمع المسلمون هذا التشكيك فقد توجد بعض الخواطر والتساؤلات: لماذا لم يأت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعجزة حسية مثل الرسل السابقين لتنفض هذه المشكلة، وينتهي هذا العناد؟ ولكن تلك الخواطر لا تنزع من المؤمنين إيمانهم ولذلك ينزل الحق سبحانه قوله الذي يطمئن: ﴿ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله.. ﴾ [الرعد: 28]. والذكر في اللغة جاء لمعان شتى فمرة يطلق الذكر، ويراد به الكتاب أي: القرآن:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٥٩