تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل من مزيد

[ق: 30]. أي: أن العذاب نفسه يكون مشوقا أن يصل إلى العاصي. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة... ﴾.

13.6

والاستعجال أن تطلب الشيء قبل زمنه، وتقصير الزمن عن الغاية، فأنت حين تريد غاية ما فأنت تحتاج لزمن يختلف من غاية لأخرى، وحين تتعجل غاية، فأنت تريد أن تصل إليها قبل زمنها. وكل اختيار للتعجل أو الاستبطاء له مميزاته وعيوبه، فهل الاستعجال هنا لمصلحة أمر مطلوب؟ إنهم هنا يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة، وهذا دليل على اختلال وخلف موازين تفكيرهم، وقد سبق لهم أن قالوا:

لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا..

[الإسراء: 90-92]. وهكذا نجد هؤلاء الكافرين وهم يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة، كما استعجلوا أن تنزل عليهم الحجارة، وهم لا يعرفون أن كل عذاب له مدة، وله ميعاد موقوت. ولم يفكروا في أن يقولوا: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ". بل إنهم قالوا:

اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم

[الأنفال: 32]. وهكذا أوضح لنا الحق سبحانه ما وصلوا إليه من خلل في نفوسهم وفسادها ذلك أن مقاييسهم انتهت إلى الكفر، وليس أدل على فساد المقاييس إلا استعجالهم للسيئة قبل الحسنة لأن العاقل حين يخير بين أمرين فهو يستعجل الحسنة لأنها تنفع، ويستبعد السيئة. وما دامت نفوس هؤلاء الكافرين فاسدة وما دامت مقاييسهم مختلة، فلا بد أن السبب في ذلك هو الكفر. إذن: فاستعجال السيئة قبل الحسنة بالنسبة للشخص أو للجماعة دليل حمق الاختيار في البدائل فلو أنهم أرادوا الاستعجال الحقيقي للنافع لهم لاستعجلوا الحسنة ولم يستعجلوا السيئة. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات.. ﴾ [الرعد: 6]. فلماذا يستعجلون العذاب؟ ألم ينظروا ما الذي حاق بالذين كذبوا الرسل من قبلهم؟ وحين يقول الرسول: احذروا أن يصيبكم عذاب، أو احذروا أن كذا وكذا فهل في ذلك كذب؟ ولماذا لم ينظروا للعبر التي حدثت عبر التاريخ للأقوام التي كذبت الرسل من قبلهم؟ و " المثلات " جمع " مثلة " وفي قول آخر " مثلة ". والحق سبحانه يقول لنا:

وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به..

[النحل: 126]. ويقول أيضا:

وجزآء سيئة سيئة مثلها..

[الشورى: 40]. وهكذا تكون " مثلات " من المثل أي: أن تكون العقوبة مماثلة للفعل. وقول الحق سبحانه: ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات.. ﴾ [الرعد: 6]. يعني: أنه سبحانه سبق وأنزل العذاب بالمثيل لهم من الأمم السابقة التي كذبت الرسل إما بالإبادة إن كان ميئوسا من إيمانهم، وإما بالقهر والنصر عليهم.

ويتابع سبحانه في نفس الآية: ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم.. ﴾ [الرعد: 6]. أي: أنه سبحانه لا يعجل العذاب لمن يكفرون لعل رجلا صالحا يوجد فيهم، وقد صبر سبحانه على أبي جهل فخرج منه عكرمة بن أبي جهل وهو الصحابي الصالح وصبر على خالد بن الوليد فصار سيف الله المسلول، بعد أن كان أحد المقاتلين الأشداء في معسكر الكفر. وتحمل لنا أخبار الصحابة كيف قاتل عكرمة بن أبي جهل إلى أن أصيب إصابة بالغة، فينظر إلى خالد بن الوليد قائلا: أهذه ميتة ترضي عني رسول الله؟ وتحمل لنا أخبار الصحابة كيف حزن واحد من المقاتلين المسلمين لحظة أن أفلت منه خالد بن الوليد أيام أن كان على الكفر وهو لا يعلم أن الحق سبحانه قد ادخر خالدا ليكون سيف الله المسلول من بعد إسلامه. وهكذا شاء الحق أن يفلت بعض من صناديد قريش من القتل أيام أن كانوا على الكفر، كي يكونوا من خيرة أهل الإسلام بعد ذلك. ويتابع سبحانه: ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم.. ﴾ [الرعد: 6]. فمع أن الناس ظالمون فسبحانه يغفر لهم لأنه سبحانه أفرح بعبده التائب المؤمن من أحدكم، وقد وقع على بعيره، وقد أضله في فلاة. ولذلك أرى أن من يعير عبدا بذنب استغفر منه الله هو إنسان آثم ذلك أن العبد قد استغفر الله فلا يجب أن يحشر أحد أنفه في هذا الأمر. ونلحظ هنا قول الحق سبحانه: ﴿ على ظلمهم.. ﴾ [الرعد: 6]. وفي هذا القول يجد بعض العلماء أن الله قد استعمل حرفا بدلا من حرف آخر فجاءت " على " بدلا من " مع ". ونلحظ أن " على " هي ثلاثة حروف و " مع " مكونة من حرفين فلماذا حذف الحق سبحانه الأخف وأتى ب " على "؟ لا بد أن وراء ذلك غاية. أقول: جاء الحق سبحانه ب " على " في قوله: ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم.. ﴾ [الرعد: 6]. ليؤكد لنا أن ظلم الناس كان يقتضي العقوبة ولكن رحمته سبحانه تسيطر على العقوبة. وهكذا أدت كلمة " على " معنى " مع " ، وأضافت لنا أن الحق سبحانه هو المسيطر على العقوبة وأن رحمة الله تطغى على ظلم العباد. ومثل ذلك قوله سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٢٨