" الموت القيامة، فمن مات فقد قامت قيامته ".
وهكذا يضخم الحق سبحانه من جزاء المؤمن المتقي فيعشق العمل، ويتحمل مشاق التكليف ليكون موصولا بالجزاء الطيب، فهذا الجزاء هو عقبى العمل الحسن في الدنيا، فالغاية الحقيقية من كل مراحل الوجود هي ألا يوجد بعد للغاية لأنها غاية الخلود لا تعرف البعدية. وما دامت الجنة تضمن الخلود أبدا، فهي تستحق أن تكون غاية المؤمن وعاقبة عمله، والتزامه بالتكاليف الإيمانية. تماما كما تكون النار هي عاقبة الكافرين المكذبين حيث يرون الخير مصير المؤمنين ويرون الشر مصيرهم فيجمع عليهم التنغيص مرة بوجود الخير عند أهل الإيمان ومرة بأن يروا ما أعد لهم من شر. لذلك قال سبحانه: ﴿ وعقبى الكافرين النار ﴾ [الرعد: 35]. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب... ﴾.
13.36
ونعلم أن الإسلام قد سبق بدينين دين النصارى قوم عيسى عليه السلام ومن قبله دين اليهود قوم موسى عليه السلام وكلا الدينين له كتاب الإنجيل كتاب المسيحية والتوراة كتاب اليهودية والقرآن هو كتاب الله المهيمن الخاتم كتاب الإسلام، وهناك كتب سماوية أخرى مثل: صحف إبراهيم وزبور داود، وغير ذلك. وكان على من نزل عليهم التوراة والإنجيل أن يواصلوا الإيمان بمدد السماء، والخير القادم منها إلى الأرض، وقد سبق أن أخذ الله من أنبيائهم الميثاق على ذلك، وقال تعالى:
وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين
[آل عمران: 81]. وهكذا نعلم أن الحق سبحانه قد شاء أن يستقبل كل دين سابق الدين الذي يليه بالإيمان به وفي كل دين سابق لآخر كانت النصوص تؤكد ضرورة الإيمان بالرسول القادر، كي لا يحدث اقتراع بين الأديان الناسخة والأديان المنسوخة. فمن صميم مواد أي دين سابق أن ينتظر الدين الذي يليه، وإذا ما جاء الدين الجديد فهو يستقبله فرعا وتكملة، ولا يستقبله كدين يضاد الدين السابق. وإذا كان الإسلام هو الدين الذي تختم به مواكب الرسل فلا بد أن الأديان السابقة عليه قد بشرت به، وكل مؤمن بالأديان السابقة موصى بضرورة الإيمان به. يقول الحق سبحانه:
شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه..
[الشورى: 13]. ويقول الحق سبحانه: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بمآ أنزل إليك.. ﴾ [الرعد: 36]. أي: أن أهل التوراة والإنجيل يفرحون بما جاءك يا محمد من القرآن، والإنسان لا يفرح بشيء إلا إذا حقق له غاية تسعده، ولا بد أن تكون هذه الغاية منشورة ومعروفة. وهم قد فرحوا بما نزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه حقق لهم ما جاء في كتبهم من نبوءة به. ومعنى ذلك أن كتبهم قد صدقت، ومن جاء بالرسالة الخاتم صادق، وكان عليهم أن يكونوا أول المبادرين إلى الإيمان به. ذلك أن الفرحة هي العملية التعبيرية أو النزوعية من مواجيد الحب، والإنسان إنما يفرح بتحقيق أمر طيب كان ينتظره. ولذلك كان يجب أن يهرولوا للإيمان بالدين الجديد، وأن يعلنوا الإيمان به مثلما فعل كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي الذي جاب أغلب البلاد باحثا عن الدين الحق. وهؤلاء هم مجرد أمثلة لمن أرادوا أن يعبروا بالفرحة واستقبال مدد السماء عبر مجيء النبي الخاتم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وأعلنوا البيعة للرسول الجديد كما بشرت به الكتب السماوية السابقة على بعثته، ثم وقفوا موقف العداء من الذين لم يفرحوا بمقدم الرسول، ثم غيروا ما جاء في كتبهم السماوية طمعا في السلطة الزمنية.
وعرف من آمنوا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذين أنكروا نبوة محمد بن عبد الله قد دلسوا على أنفسهم وعلى غيرهم، وأتوا بأشياء لم تكن موجودة في كتبهم المنزلة على رسلهم كادعائهم أن لله أبناء، وسبحانه منزه عن ذلك. ولذلك جاء قول الحق سبحانه: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بمآ أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب ﴾ [الرعد: 36]. تلك عدالة من القرآن لأن القرآن لم ينكر الكتب السماوية السابقة بأصولها، ولكنه أنكر التحريف في العقائد، وأنكر مواقف من حرفوا وادعوا كذبا أن هناك بنوة لله. هذا التحريف لم ينل من القرآن إنكارا لكل ما جاء بالكتب السابقة على القرآن ولكنه أنكر التحريف فقط. وقد أثبت القرآن ما لله وما للرسول، وأنكر التحريف الذي أرادوا به السلطة الزمنية وادعاء القداسة، والتجارة بصكوك الغفران وبيع الجنة، وتلقي الاعترافات، وغير ذلك مما لم ينزل به كتاب سماوي. وحين جاء الإسلام ليحرم ذلك دافعوا عن سلطتهم التي يتاجرون بها في أمور الدين، وهي ليست من الدين. وانظر إلى قول الحق سبحانه: ﴿ قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به.. ﴾ [الرعد: 36]. وهذا القول دليل على أن هؤلاء المغيرين في الكتب السماوية أو الذين أنكروا وحدانية الله هؤلاء جاء لهم بالقول الفصل: ﴿ إنمآ أمرت أن أعبد الله.. ﴾ [الرعد: 36]. أي: أنه يقر بأن هناك دينا قد أختير له من قبل مرب ولم يختر محمد شيئا أعجبه ليعبده، ولكنه كرسول من الله يشرف بالانتماء لما جاءه الأمر به من السماء، وهو لا يشرك به أحدا. ونجد الرسول صلى الله عليه وسلم يتعصب لما يتعلق بربه وقد يتهاون بما يتعلق بشخصه. ولذلك وجدنا بعض الملاحدة وقد قالوا له: نحن نؤمن بالله وبالسماء والوحي وبكل شيء، لكنا لا نؤمن بك أنت، ولم يغضب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولو كان يدخل ذاته أو أنانيته في الأمر لغضب، ولكنه لم يغضب. والدليل على هذا هو أن مواجيده صلى الله عليه وسلم كانت مع الروم المؤمنين بكتاب سماوي ضد المشركين الذين لا يؤمنون بدين سماوي وهم الفرس وحزن صلى الله عليه وسلم حين غلبت الروم، فنزل إليه القول الحق بنبأ النصر القادم في بضع سنين تسلية له صلى الله عليه وسلم: