تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13.11

وكلمة له تفيد النفعية، فإذا قلت " لك كذا " فهي عكس أن نقول " عليك كذا ". وحين يقول سبحانه: ﴿ له معقبات.. ﴾ [الرعد: 11]. فكأن المعقبات لصالح الإنسان. و " معقبات " جمع مؤنث، والمفرد " معقبة " ، أي: أن للحق سبحانه وتعالى ملائكة يتناوبون على حراسة الإنسان وحفظه ليلا ونهارا من الأشياء التي لا يمكن الاحتراز منها. والمثل هو تلك الإحصاءات التي خرجت عن البشر الذين تلدغهم الثعابين، فقد ثبت أنها لا تلدغهم وهم نائمون بل في أثناء صحوتهم أي: ساعة يكونون في ستر النوم فهناك ما يحفظهم أما في اليقظة فقد يتصرف الإنسان بطيش وغفلة فتلدغه الأفعى. ونحن نقول في أمثالنا الشعبية: " العين عليها حارس " ونلحظ كثيرا من الأحداث التي تبدو لنا غريبة كأن يسقط طفل من نافذة دور علوي فلا يصاب بسوء لأن الحق سبحانه شاء أن تحفظه الملائكة المعقبات من السوء لأن مهمة الحفظة أن يحفظوا الإنسان من كل سوء. وهكذا نرى أن الحق سبحانه قد أعد للإنسان الكون قبل أن يخلقه ليستخلفه فيه أعد السماوات وأعد الأرض وسخر الشمس والقمر وأخرج الثمرات وجعل الليل يغشى النهار. كل ذلك أعده سبحانه للخليفة قبل أن يوجد الخليفة وهو سبحانه قيوم على هذا الخليفة فيصونه أيضا بعد الخلق، ولا يدعه لمقومات نفسه ليدافع عنها فيما لا يستطيع الدفاع عنها، ويكلف الله الملائكة المعقبات بذلك. وقد ينصرف معنى المعقبات إلى الملائكة الذين يتعقبون أفعال الإنسان وكتابة حسناته وكتابة سيئاته، ويمكن أن يقوما بالعملين معا حفظه وكتابة أعماله، فإن كتبوا له الحسنات فهذا لصالحه. ولقائل أن يقول: ولكنهم سيكتبون السيئات وهذه على الإنسان وليست له. وأقول: لا ويحسن أن نفهم جيدا عن المشرع الأعلى ونعلم أن الإنسان إذا ما عرف أن السيئة ستحسب عليه وتحصى وتكتب يمسك كتابه ليقرأه فلسوف يبتعد عن فعل السيئات. وهكذا يكون الأمر في مصلحته، مثله مثل الطالب الذي يرى المراقب في لجنة الامتحان، فلا يكرهه لأنه يحمي حقه في الحصول على التقدير الصحيح بدلا من أن يغش غيره، فيأخذ فرصة أكبر منه في التقدير والنجاح فضلا عن أن كل الطلبة يعلمون أن وجود المراقب اليقظ هو دافع لهم للمذاكرة. ولذلك أقول دائما: إياك أن تكره أن يكون لك أعداء لأن الذي يغر الإنسان في سلوكه هو نفاق أصحابه له، أما عدوك فهو يفتح عينيه عليك طوال الوقت ولذلك فأنت تحذر أن تقع في الخطأ. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:

عداي لهم فضل علي وميزة

فتعدى لهم شكر على نفعهم ليا

فهم كالدواء والشفاء لمزمن

فلا أبعد الرحمان عني الأعاديا

هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها

فأصبحت مما ذله العرب خاليا

إذن: فكتابة الحسنات والسيئات هي مسألة لصالح الإنسان وحين يتعاقبون على الإنسان فكأنهم يصنعون دوريات لحماية الفرد ولذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيصعد إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم - وهو أعلم بكم -: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون ".

وكأن الملائكة دوريات. ويقول الحق سبحانه:

إن قرآن الفجر كان مشهودا

[الإسراء: 78]. أي: أن ملائكة الليل يشهدون ومعهم ملائكة النهار. وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ملحوظ فيه الوقت الزمني للحركة الإنسانية فكل حركات الإنسان وعمله يكون من الصبح إلى العصر، ثم يرتاح الإنسان غالبا من بعد ذلك ثم ينام. والمعقبات يكن من بين يدي الإنسان ومن خلفه و من بين يديه من أجل الرصد، ولذلك وجدنا أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أثناء الهجرة النبوية كان يسير بعض الوقت أمام النبي صلى الله عليه وسلم وكان يسير البعض الآخر خلف النبي صلى الله عليه وسلم. كان أبو بكر - رضي الله عنه - يتقدم ليرقب: هل هناك من يرصد الرسول أم لا؟ ثم يتراجع إلى الخلف ليمسح كل المكان بنظره ليرقب: أهناك من يتتبعهما؟ وهكذا حرص أبو بكر على أن يحمي الرسول صلى الله عليه وسلم من الرصد أو التربص. ويقول الحق سبحانه: ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله.. ﴾ [الرعد: 11]. والسطحي يقول: إن تلك الملائكة يحفظون الإنسان من الأمر المراد به من الله. ونقول: إن الله لم ينزل الملائكة ليعارضوا قدره وهذا الحفظ لا يكون من ذات الإنسان لنفسه، أو من الملائكة ضد قدر الله والمعنى هنا ينصرف إلى أن الملائكة إنما يحفظون الإنسان بأمر الله. ولذلك نجد في القرآن قول الحق سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٣٤