تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13.2

وكلمة " الله " علم على واجب الوجود مطمورة فيه كل صفات الكمال ولحظة أن تقول " الله " كأنك قلت " القادر " " الضار " " النافع " " السميع " " البصير " " المعطي " إلى آخر أسماء الله الحسنى. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:

" كل عمل لا يبدأ باسم الله هو أبتر ".

لأن كل عمل لا يبدأ باسمه سبحانه لا تستحضر فيه أنه سبحانه قد سخر لك كل الأشياء، ولم تسخر أنت الأشياء بقدرتك. ولذلك، فالمؤمن هو من يدخل على أي عمل بحيثية " بسم الله الرحمن الرحيم " لأنه سبحانه هو الذي ذلل للإنسان كل شيء، ولو لم يذللها لما استجابت لك أيها الإنسان. وقد أوضح الحق سبحانه ذلك في أمثلة بسيطة فنجد الطفل الصغير يمسك بحبل ويربطه في عنق الجمل، ويأمره بأن " ينخ " ويركع على أربع فيمتثل الجمل لذلك. ونجد البرغوث الصغير يجعل الإنسان ساهرا الليل كله عندما يتسلل إلى ملابسه ويبذل هذا الإنسان الجهد الجهيد ليمسك به وقد يستطيع ذلك وقد لا يستطيع. وهكذا نعرف أن أحدا لم يسخر أي شيء بإرادته أو مشيئته، ولكن الحق سبحانه هو الذي يذلل كل الكائنات لخدمة الإنسان. والحق سبحانه هو القائل:

وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون

[يس: 72]. وأنت حين تقبل على أي عمل يحتاج إلى قدرة فتقول: " باسم القادر الذي أعطاني بعض القدرة ". وإن أقبلت على عمل يحتاج مالا تقول: " باسم الغني الذي وهبني بعضا من مال أقضي به حاجاتي ". وفي كل عمل من الأعمال التي تقبل عليها تحتاج إلى قدرة وحكمة وغنى، وبسط وغير ذلك من صفات الحق التي يسخر بها سبحانه لك كل شيء فشاءت رحمته سبحانه أن سهل لنا أن نفتتح أي عمل باسمه الجامع لكل صفات الجمال والكمال " بسم الله الرحمن الرحيم ". ولذلك يسمونه " علم على واجب الوجود ". وبقية الأسماء الحسنى صفات لا توجد بكمالها المطلق إلا فيه فصارت كالاسم. فالعزيز على إطلاقه هو الله. ولكنا نقول عن إنسان ما " عزيز قومه " ، ونقول " الغني " على إطلاقه هو الله، ولكن نقول " فلان غني " و " فلان فقير ". وهكذا نرى أنها صفات أخذت مرتبة الأسماء وهي إذا أطلقت إنما تشير إليه سبحانه. وعرفنا من قبل أن أسماء الله إما أن تكون أسماء ذات وإما أن تكون أسماء صفات فإن كان الاسم لا مقابل له فهو اسم ذات مثل: " العزيز ".

أما إن كان الاسم صفة الصفة والفعل، مثل " المعز " فلا بد أن له مقابلا، وهو هنا " المذل ". ولو كان يقدر أن يعز فقط ولا يقدر أن يذل لما صار إلها، ولو كان يضر فقط، ولا ينفع أحدا لما استطاع أن يكون إلها، ولو كان يقدر أن يبسط، ولا يقدر أن يقبض لما استطاع أن يكون إلها. وكل هذه صفات لها مقابلها ويظهر فعلها في الغير فسبحانه - على سبيل المثال - عزيز في ذاته ومعز لغيره، ومذل لغيره. وكلمة " الله " هي الاسم الجامع لكل صفات الكمال، وهناك أسماء أخرى علمها الله لبعض من خلقه، وهناك أسماء ثالثة سنعرفها إن شاء الله حين نلقاه:

وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة

[القيامة: 22-23] ونلحظ أن الحق سبحانه بدأ هذه الآية بالحديث عن العالم العلوي أولا ولم يتحدث عن الأرض فقال: ﴿ الله الذي رفع السماوات.. ﴾ [الرعد: 2]. وكلمة " رفع " إذا استعملتها استعمالا بشريا تدل أن شيئا كان في وضع ثم رفعته عن موضعه إلى أعلى مثل قول الحق سبحانه:

ورفع أبويه على العرش...

[يوسف: 100]. فقد كان أبوا يوسف في موضع أقل ثم رفعهما يوسف إلى موضع أعلى مما كانا فيه، فهل كانت السماء موضوعة في موضع أقل ثم رفعها الله؟ لا، بل خلقها الله مرفوعة. ورحم الله شيخنا عبد الجليل عيسى الذي قال: " لو قلت: سبحان الله الذي كبر الفيل فهل كان الفيل صغيرا ثم كبره الله أم خلقه كبيرا؟ لقد خلقه الله كبيرا. وإن قلت: سبحان الله الذي صغر البعوضة فهل كانت كبيرة ثم صغرها الله؟ لا بل خلقها الله صغيرة ". وحين يقول سبحانه: ﴿ الله الذي رفع السماوات بغير عمد.. ﴾ [الرعد: 2]. فهذا يعني أنه خلقها مرفوعة، وفي العرف البشري نعرف أن مقتضى رفع أي شيء أن توجد من تحته أعمدة ترفعه. ولكن خلق الله يختلف فنحن نرى السماء مرفوعة على امتداد الأفق ويظهر لنا أن السماء تنطبق على الأرض ولكنها لا تنطبق بالفعل. ولم نجد إنسانا يسير في أي اتجاه ويصطدم بأعمدة أو بعمود واحد يظن أنه من أعمدة رفع السماء وهي مرئية هكذا فهل هناك أعمدة غير مرئية أم لا توجد أعمدة أصلا؟. وقد يكون وراء هذا الرفع أمر آخر فقد قلنا: إن الشيء إذا رفع فذلك بسبب وجود ما يمسكه أو ما يحمله وسبحانه يقول في أمر رفع السماء:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨١١