تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمثل: هو دراسة الألمان لعملية إدراكات الحس وكيف يشعر الإنسان بالألم؟ وكيف يلمس الإنسان ببشرته بملمس ناعم فيسر منه، ثم يلمس شيئا خشنا فيتأذى منه. واستمر الألمان يدرسون ذلك لسنوات كي يعرفوا مناط الإحساس وموقعه في الإنسان، هل هو في المخ أم أين إلى أن انتهوا إلى مناط الإحساس في كل إنسان هو في الجلد، وأنها خلايا منبسطة تحت الجلد مباشرة بدليل أن الإبرة حين نغرزها في جسم الإنسان فهو يتألم فقط في منطقة دخولها وليس أكثر. ولفت ذلك نظر أحد العلماء فقال: لقد تحدث القرآن عن ذلك حين قال:

كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما

[النساء: 56]. ولو أن تلك الجلود قد احترقت فالعذاب سينتهي لذلك يبدل الله جلودهم ليستمر العذاب، وهذا مثل واحد من أمثلة ما كشف عنه القرآن. ومن الأمثلة المعاصرة في العلوم الجنائية قصة شاب مسلم من سوهاج سافر إلى ألمانيا ليعد رسالة الدكتوراه في القانون، ووجدهم يقفون عند قضية التعسف في استعمال الحق، ويعتبرونها من أهم الإنجازات القانونية في القرن العشرين. فأوضح لهم هذا الشاب أن الإسلام قد سبقهم في تقدير هذه المسألة ووضع الحكم المناسب فيها من أربعة عشر قرنا من الزمان.

" " وروى لهم أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: إن لفلان عندي في ساحة بيتي نخلة، وهو يدخل بيتي كل ساعة بحجة رعاية تلك النخلة مرة بدعوى تأبيرها وأخرى بدعوى جني ثمارها. وثالثة بدعوى الاطمئنان عليها حتى جعل النخلة شغله الشاغل. وشكا الرجل للرسول صلى الله عليه وسلم أنه يتأذى هو وأهل بيته من اقتحام الرجل للحياة الخاصة له، فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى صاحب النخلة وقال له: أنت بالخيار بين ثلاثة مواقف: إما أن تهبه النخلة - وتلك منتهى الأريحية -، وإما أن تبيعها له، وإما قطعناها ".

وهكذا وضع صلى الله عليه وسلم قواعد للتعامل فيما يسمى " التعسف في استعمال الحق ". وفي إنجلترا وجدوا أن القانون التجاري مليء بالثغرات، ومثال هذا أن التعامل في السوق قد يتطلب بعضا من المرونة بين التجار فهذا يرسل لذلك طالبا من الآخر ألفا من الجنيهات وفلان يرد ما أخذه أو يقايضه. واصطدم الواقع بأن بعض التجار لا يعترفون ببعض الديون التجارية التي عليهم، وقديما كان إذا أراد تاجر أن يقترض من زميل له فهو يكتب الدين في كمبيالة أو إيصال أمانة وذلك لتوثيق الدين. ولكن الأمر اليومي في السوق قد يختلف فهذا يحتاج نقودا لأمر عاجل، وزميله يثق في قدرته على الرد والتسديد لأنه قد يحتاج هو الآخر لنقود عاجلة، ويثق أن من يقرضه الآن، سيقرضه فيما بعد ولذلك أنشأوا ما يسمى بالدين التجاري، فيفتحون " دفترا " يسجلون في الديون التجارية لتحكم الدفاتر فيما يعجز عن تذكره الأشخاص.

وذهب شاب مسلم لبعثة دراسية هناك وأوضح لهم أن قضية الدين أخذت اهتمام الإسلام لدرجة أن أطول آية في القرآن هي الآية التي تحدد التعامل مع الديون وأخذ يترجم لهم قول الحق سبحانه:

يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٨١