تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورسولا إلى بني إسرائيل..

[آل عمران: 49]. وهكذا حدد الحق سبحانه زمان ومكان القوم في أي رسالة سبقت رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. لكن الأمر يختلف حين أرسل سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا وجعله للناس كافة، فقد علم سبحانه أزلا أن هذا هو الدين الخاتم لذلك أرسل رسول الله إلى حكام العالم - المعاصرين له - دعوة لدخول الدين الخاتم. وقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المهمة لمن يخلفونه، ودعا صلى الله عليه وسلم الجزيرة العربية تحت لواء " لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله " بعد أن كانت قبائل متعددة. كل قبيلة كانت لا تلزم نفسها بعبادة إله القبيلة الأخرى وكل قبيلة لا تلزم نفسها بتقنين القبيلة الأخرى، ولم يجمعهم أبدا شمل، ولا استيطان لهم إلا في بعض القرى، ذلك أن أغلبهم من البدو الرحل كل واحد منهم يحمل بيته - الخيمة - على ظهر بعيره، ويمشي بحثا عن الكلأ والماء لأغنامه وماشيته. فلم يكن عندهم انتماء وطني فضلا عن القبائل التي كانت تتقاتل فيما بينها في تارات عنيفة، وامتدت الحرب فيما بين بعض القبائل إلى أربعين عاما في بعض الأحيان. استطاع صلى الله عليه وسلم أن يوظف ما كانوا عليه من تدريب وعتاد وعدة لنصرة دين الله فحين إعداده للغزوات أو اختياره للسرايا كان يجد المقاتلين في كامل لياقتهم.

وحين استدعاهم إلى الحرب لم يجر لهم تدريبات فقد كان الكل مدربا على القتال. وهكذا صارت القبائل أمة واحدة بعد أن جمعهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في وحدة التكامل العقدي تحت راية الإسلام، وهذه الأمة الأمية، قال فيها الحق سبحانه:

هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم..

[الجمعة: 2]. وكانت هذه الأمية شرفا لهم كيلا يقال: إنهم أصحاب قفزة حضارية من أمة متمدينة. وكانت هذه الأمية ملفتة، لأن ما جاء في تلك الأمة من تشريعات وقفت أمامه الأمم الأخرى إلى زماننا هذا باندهاش وتقدير. وشاء الحق سبحانه لهذه الأمة أن تحمل رسالة السماء لكل الأرض، وبعد أن نزل قول الحق سبحانه:

اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا..

[المائدة: 3]. فهم بعض الناس أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينعي نفسه لأمته. ومن بعد رحيله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى انساح صحابته بالدين الخاتم في الدنيا كلها، وخلال نصف قرن من الزمان صار للإسلام جناحان جناح في الشرق، وجناح في الغرب. وهزم اكبر إمبراطوريتين متعاصرتين له هما إمبراطورية فارس بحضارتها وإمبراطورية الروم. وكانت البلاد تتخطف الإسلام كمنهج حياة، حدث ذلك بعد أن حارب الإسلام الإمبراطوريتين في آن واحد، وأقبل الناس على الإسلام ليتحققوا من معجزته التي لمسوها في خلق من سمعوا القرآن وحملوا رسالته ثم في اكتشافهم لعدالة القرآن في إدارة حركة الحياة. وهكذا اكتشفوا أن معجزة الإسلام عقلية وأن رسوله صلى الله عليه وسلم هو الرسول الخاتم الذي لم يأت لهم بمعجزة حسية، وإذا كان القرآن معجزة في اللغة للقوم الذين نزل فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالقرآن لمن لم يعرفوا لغة القرآن كان معجزة في العدالة والقيم النابعة منه. وكان الناس يندفعون إلى الإسلام بقوة دفع من المؤمنين به، وبقوة جذب من غير المؤمنين حين يرون ألا فرق بين الأمير وأصغر فرد تحت رايته، وحين يلمسون عدالته ومساواته بين البشر. ولم يكن الإسلام معجزة لقومه فقط بل لكل الدنيا، ويتحقق دائما قول الحق سبحانه:

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق..

[فصلت: 53]. ونجد مفكرا كبيرا من الغرب المعاصر يعلن إسلامه، رغم أنه لم يقرأ القرآن بل نظر فقط في المبادئ التي قننها الإسلام، وكيف تحمل حلولا لما عجزت عنه الحضارات المتعاقبة وأهل القوانين في كل بلاد الأرض. ويعرف أن تلك القوانين قد جاءت لرسول ينتمي لأمة لم تبرع إلا في البلاغة والأدب، وتضع تلك القوانين حلولا لمشاكل تعاني منها الدنيا كلها. ورأينا كيف بحث رجل عن أعظم مائة في تاريخ البشرية، وكيف جعل محمدا صلى الله عليه وسلم أولهم، وهذا الباحث لم يقرأ القرآن ولكنه درس آثار تطبيق القرآن، وبعد أن يعجب بالمنهج القرآني نجده يعجب بالنص القرآني.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٨٠