تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه..

[الأحزاب: 4]. فالوعاء القلبي كالوعاء المادي تماما لا يقبل أن يتداخل فيه جرمان أبدا، فإن دخل جرم على جرم إن كان أقوى فهو يطرد من القلب الأدنى منه. والمثل على ذلك: لنفترض أن عندنا إناء ممتلئا عن آخره ويحاول واحد منا أن يضع فيه كرة صغيرة من الحديد هنا سيجد أن الماء يفيض من حواف الإناء بما يوازي حجم كرة الحديد، وهذا ما يحدث في الإناء المادي، وكذلك الحال في الإناء العقدي.

ولذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي:

" لا يجتمع حبي وحب الدنيا في قلب ".

وهكذا نرى أن هناك حيزا للمعاني أيضا مثلما يوجد حيز للمادة، فإذا كنت تريد - حقيقة - أن تدخل المعاني العقدية الصحيحة في قلبك فلابد لك من أن تطرد أولا المعاني المناقضة من حيز القلب، ثم ابحث بالأدلة عن مدى صلاحية أي من المعنيين وما تجده قوي الدليل صحيح المنطق موفور القوة والحجة فأدخله في قلبك. ولم يفعل الكفار هكذا بل تمادوا في الغي إصرارا على ما يعتقدون من عقيدة فاسدة أما من أسلم منهم فقد أخرج من قلبه العقيدة القديمة ولم يصر على المعتنق القديم بل درس وقارن فأسرع إلى الإسلام. أما من كان قلبه مشغولا بالعقيدة السابقة ويريد أن يدخل العقيدة الإسلامية في قلبه فهو لم ينجح في ذلك لأن قلبه مشغول بالعقيدة القديمة. وإذا كنت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد من هؤلاء أن يؤمنوا فلا بد أن يعتمد ذلك على إرادتهم، وأن يخرجوا من قلوبهم العقيدة الفاسدة وأن يبحثوا عن الأصح والأفضل بين العقيدتين. ولذلك يعلمنا الحق سبحانه كيف نصل إلى الحقائق بسهولة، فيقول لرسوله صلى الله عليه وسلم:

قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة..

[سبأ: 46]. أي: قل يا محمد لمن كفر بك: إني أعظكم عظة، وأنت لا تعظ إلا من تحب أن يكون على الحق وهذا يفسر قول الحق سبحانه:

لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم

[التوبة: 128]. ولهذا يريد صلى الله عليه وسلم أن تكونوا مؤمنين لذلك يدعوكم أن تقوموا لله لا لجاه أحد غيره لأن جاه أي كائن سيزول مهما كان هذا الواحد، ولا تقولن لنفسك: إن العبيد سيتساوون معك. بل قم لله إما مثنى أي أن تكون قائما ومعك آخر أو يقوم غيرك اثنين اثنين ليناقش كل منكم مع من يجلس معه ولا يتحيز أحد منكم لفكر مسبق بل يوجه فكره كله متجردا لله. وليتساءل كل واحد: محمد هذا، صفته كذا وكذا، وقد فعل كذا، والقرآن الذي جاء به يقول كذا، وسيجد الواحد منكم نفسه وقد اهتدى للحق بينه وبين نفسه، وبينه وبين من جلس معه ليناقشه فيستعرضان معه تاريخ محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به. وحين يتناقش اثنان لن يخاف أي منهما أن يهزمه الآخر، لكن لو انضم إليهما ثالث فكل واحد يريد أن يعتز برأيه ويرفض أن يقبل رأي إنسان غيره، ويخشى أن يعتبر مهزوما في المناقشة ويرفض لنفسه احتمال أن يستصغره أحد.

ولذلك قال الحق سبحانه:

مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة..

[سبأ: 46]. و " الجنة " هي اختلال العقل أي: أن من به جنة إنما يتصرف ويسلك بأعمال لا يرتضيها العقل. ويقرن الحق سبحانه بين العقل وبين الخلق، فيقول:

وإنك لعلى خلق عظيم

[القلم: 4]. ويقال: فلان على خلق. أي: يملك من الصفات ما يجعله على الجادة من الفضائل مثل الصدق والأمانة وهذه صفات ينظمها في مواقفها الفكر العقلي وهو الذي يميز لنا أي المواقف تحتاج إلى شدة أو لين أو حكمة، وكل هذه أمور يرتبها العقل. والخلق الرفيع لا يصدر عن مجنون لأنه لا يعرف كيف يختار بين البدائل لذلك لا نحاسبه نحن ولا يحاسبه الله أيضا. وحين يأمرهم الحق سبحانه أن يبحثوا: هل محمد يعاني من جنة؟ فالحق سبحانه يعلم مقدما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهادتهم يتمتع بكمال الخلق بدليل أن أهم ما كانوا يملكونه كانوا يستأمنون عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبدليل أنه صلى الله عليه وسلم حينما دخل عليهم وكانوا مختلفين في أمر بناء الكعبة ارتضوه حكما. ولذلك يقول سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٦٦