" ويح عمار، تقتله الفئة الباغية "
وقد فهم المقاتلون معنا أن الفئة الباغية هي فئتنا. وكان معاوية من الدهاء بمنزلة فقال: اسع في الجيش وقل: " إنما قتله من أخرجه " ويعني عليا. ولما وصل هذا القول لعلي قال: ومن قتل حمزة بن عبد المطلب، وقد أخرجه للقتال محمد صلى الله عليه وسلم؟! وهنا في قول الحق سبحانه: ﴿ كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلهآ أمم.. ﴾ [الرعد: 30]. إنما يعني أن الحق قد أرسلك يا محمد بمعجزة تناسب ما نبغ فيه قومك، وطلب غير ذلك هو جهل بواقع الرسالات وتعنت يقصد منه مزيد من ابتعادهم عن الإيمان. وقول الحق سبحانه: { وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي.
. } [الرعد: 30]. أي: أنهم حين يعلنون الكفر فأنت تصادمهم بإعلان الإيمان، وتقول: ﴿ هو ربي لا إله إلا هو.. ﴾ [الرعد: 30]. وكلمة " ربي " تنسجم مع كلمة " الرحمن " الذي ينعم بالنعم كلها وهو المتولي تربيتي ولو لم يفعل سوى خلقي وتربيتي ومدي بالحياة ومقوماتها لكان يكفي ذلك لأعبده وحده ولا أشرك به أحدا. ولو أن الإنسان قد أشرك بالله لالتفت مرة لذلك الإله ومرة أخرى للإله الآخر ومرة ثالثة للإله الثالث وهكذا، وشاء الله سبحانه أن يريح الإنسان من هذا التشتت بعقيدة التوحيد. ويأتي القرآن ليطمئن القلوب أيضا وليذكر:
ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون
[الزمر: 29]. وهكذا يعرض لنا القرآن صورتين: الصورة الأولى: لرجل يملكه أكثر من سيد، يعارضون بعضهم البعض. والصورة الثانية: لرجل آخر، يملكه سيد واحد. ولا بد للعقل أن يعلم أن السيد الواحد افضل من الأسياد المتعددين لأن تعدد الأسياد فساد وإفساد، يقول الحق سبحانه:
لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون
[الأنبياء: 22]. والعاقل هو من لا يسلم نفسه إلا لسيد واحد يثق أنه أمين عليه، ونحن في حياتنا نقول: ما يحكم به فلان أنا أرضى به وقد وكلته في كذا. ولا أحد منا يسلم نفسه إلا لمن يرى أنه أمين على هذا الإسلام، ولا بد أن يكون أمينا وقويا، ويقدر على تنفيذ مطلوبه. والرسول صلى الله عليه وسلم في المعركة العنيفة مع صناديد قريش قال: " إني متوكل على الله " ، وهذه شهادة منه على أنه توكل على القوي الأمين الحكيم والرسول لم يقل توكلت عليه ولكنه قال: ﴿ عليه توكلت.. ﴾ [الرعد: 30]. والفارق بين القولين كبير، فحين تقول " عليه توكلت " فأنت تقصر التوكل عليه وحده ولكن إن قلت: " توكلت عليه ". فأنت تستطيع أن تضيف وتعطف عددا آخر ممن يمكنك التوكل عليهم. ولذلك نقول:
إياك نعبد..
[الفاتحة: 5]. ونحصر العبادة فيه وله وحده سبحانه فلا تتعداه إلى غيره ولو أنها أخرت لجاز أن يعطف عليه. ويقال في ذلك " اسم قصر " أي: أن العبادة مقصورة عليه وكذلك التوكل. ﴿ قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت.. ﴾ [الرعد: 30]. أي: أنني لا آخذ أوامري من أحد غيره ومرجعي إليه. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ ولو أن قرآنا سيرت به الجبال... ﴾.