" العم صنو أبيك "
أي: أن الصنو هو المثل. وبهذا يكون معنى الصنوان هو المثلان. ونرى ذلك واضحا في النخيل فنرى أحيانا أصلا واحدا تخرج منه نخلتان أو ثلاث نخلات وأحيانا يخرج من الأصل الواحد أربع أو خمس نخلات. ويطلق لقب " الصنوان " على الأصل الواحد الذي يتفرع إلى نخلتين أو أكثر فكلمة " صنوان " تصلح للمثنى وللجمع، ولكنها في حالة المثنى تعامل في الإعراب كالمثنى فيقال " أثمرت صنوان " و " رأيت صنوين " أما في حالة الجمع فيقال " رأيت صنوانا " و " مررت بصنوان ". والمفرد طبعا هو " صنو ". ويقول سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل.. ﴾ [الرعد: 4]. ومن العجيب أن كل شجرة تأخذ عبر جذورها كمية من الماء والغذاء اللازم لإنتاج ثمار ذات شكل وطعم مختلف. وهذا ما جعلنا نقول من قبل: إن افتراضات العلماء المتخصصين في علوم النبات عن أن النباتات تتغذى بخاصية الأنابيب الشعرية هو افتراض غير دقيق. فلو كان الأمر كذلك لأخذت الأنابيب الشعرية الخاصية بنبات المواد التي أخذتها الأنابيب الشعرية الخاصة بنبات آخر.
والأمر ليس كذلك، فكل نبات يأخذ من الأرض ما يخصه فقط، ويترك ما عدا ذلك. ذلك أن الثمار لكل نبات تختلف ولا تتشابه بل إن الشجرة الواحدة تختلف ثمارها من واحدة إلى أخرى. مثال هذا: هو شجرة المانجو أو النخلة المثمرة، ويمكنك أن تلاحظ نفسك، وسترى أنك تنتقي من ثمار المانجو القادمة من شجرة واحدة ما يعجبك، وترفض غيرها من الثمار، وسترى أنك تنتقي من ثمار البلح القادم من نخلة واحدة ما يروق لك وترفض بعضا من ثمار نفس النخلة. وحين تذهب لشراء الفاكهة فأنت تشتري حسب موقفك من الادخار فإن كنت تحب الادخار فسوف تشتري الفاكهة التي من الدرجة الثانية وإذا كنت تحب أن تستمتع بالطيب من تلك الفاكهة فسوف تشتري من الفاكهة المتميزة. وأتحدى أن يقف واحد أمام قفص للفاكهة، وينتقي الثمار غير الجميلة الشكل والرونق، بل يحاول كل إنسان أن يأخذ الجميل والطيب من تلك الفاكهة، وحين يدفع ثمن ما اشترى سنجده يدفع النقود الورقية القديمة التي توجد في جيبه، وسيحتفظ لنفسه بالنقود الجديدة. وهذا الموقف يغلب على مواقف أي إنسان، فهو مقبل دائما على رفض أخذ السيء وخائف دائما على التفريط في الحسن. والحق سبحانه يقول:
قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق..
[الإسراء: 100]. وأنت لا تجد في الثمار تشابها، بل اختلافا في الطعم من نوع إلى نوع كذلك تجد اختلافا في طريقة تناولها فلا أحد منا يأكل البلحة بكاملها، بل نأكل ثمرة البلحة بعد أن نخرج منها النواة ونأكل ثمرة التين بأكملها، ونخرج ما في قلب حبة المشمش من بذرة جامدة، ثم نأكل المشمشة من بعد ذلك. فكل ثمرة لها نظام خاص وليست مسألة ميكانيكية في عطاء الله لثمار متشابهة بل هناك اختلاف، ويمتد هذا الاختلاف إلى أدق التفاصيل لدرجة أنك حين تتناول قطفا من العنب تجد اختلافا لبعض من حبات العنب عن غيرها. ونحن لا نفضل بعضا من الفاكهة على البعض الآخر في الأكل فقط، بل نفضل في الصنف الواحد بعضا من ثماره عن البعض الآخر. وحين تقرأ: ﴿ ونفضل بعضها على بعض في الأكل.. ﴾ [الرعد: 4]. فاعلم أنه لا يوجد شيء أو أمر مفضل على إطلاقه، وأمر آخر مفضول على إطلاقه، فما دمنا نفضل بعضه على البعض الآخر فهذا يعني أن كلا منهما مفضل في ناحية، ومفضول عليه في ناحية أخرى. والمثل الواضح أمامنا جميعا أننا حين نجلس إلى مائدة عليها ديك رومي قد تجد يدك تتجه إلى طبق " المخلل " قبل أن تمتد يدك إلى الديك الرومي لأن " نفسك " قد طلبته أولا، فلا تقل: إن هناك شيئا مفضولا عليه طوال الوقت، أو شيئا مفضلا كل الوقت.