ومن كل شيء خلقنا زوجين..
[الذاريات: 49]. ويخطئ الناس أيضا في فهم كلمة التوأم، ويظنون أنها تعني الاثنين اللذين يولدان معا، ولكن المعنى الدقيق للتوأم وهو الفرد الذي يولد مع آخر، ويقال لاثنين معا " التوأمان ". وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين.. ﴾ [الرعد: 3]. ولم يخلق الحق سبحانه أي شيء إلا وشاء له أن يتكاثر، مصداقا لقول الحق سبحانه:
سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون
[يس: 36]. وكل تكاثر إنما يحتاج إلى زوجين، وكنا نعتقد قديما أن التكاثر يحدث فقط في النبات مثلما نلقح النخلة بالذكر، وفي الحيوان يخصب الفحل الأنثى، ثم كشف لنا العلم بعد ذلك أن الكهرباء - على سبيل المثال لا الحصر - تتكون من سالب وموجب وغير ذلك كثير، وكل ما قدمه العلم من كشوف يؤيد صدقه سبحانه:
سبحان الذي خلق الأزواج كلها..
[يس: 36]. ويتابع سبحانه في نفس الآية: ﴿ يغشي اليل النهار.. ﴾ [الرعد: 3]. أي: أن تأتي الظلمة على النهار فتغطيه وهو القائل في موقع آخر من القرآن:
فمحونآ آية اليل وجعلنآ آية النهار مبصرة..
[الإسراء: 12]. وذلك تحقيقا لمشيئته التي قالها:
وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة..
[الفرقان: 62]. وإن سأل سائل: هل الليل هو الذي خلق أولا أم النهار؟ أقول: نحن نرى الآن الليل والنهار، كل منهما يؤدي مهمته في نصف ما في الكرة الأرضية، وكل منهما يخلف الآخر، ولا بد أن الأمر كذلك من أول الخلق. فإن كان سبحانه قد أوجد الأرض مبسوطة وفي مواجهتها الشمس، لكان النهار هو الأسبق في الخلق، وإن كان قد خلق الشمس غير مواجهة للأرض يكون الليل هو الذي سبق النهار في الخلق. ويوضح الحق سبحانه هذا الأمر قليلا في سورة يس حين يقول:
لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون
[يس: 40]. وكان العرب قديما يظنون أن الليل هو الذي سبق النهار في الخلق لأنهم كانوا يؤرخون الشهور بالقمر فيدخل الشهر بليله لا بنهاره، ونحن نعلم أن رمضان يأتينا بأول ليلة فيه. وقد أوضح الحق سبحانه لهم على قدر معارفهم، ثم ثبت لنا أن الليل والنهار قد وجدا في وقت واحد بعد أن وضحت لنا أن صورة الأرض كروية، وأنه سبحانه قد خلقها كذلك، فما واجه الشمس كان نهارا وما غابت عنه الشمس كان ليلا، ويخلف كل منهما الآخر. وهكذا وضح لنا أنهما موجودان في آن واحد. ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ [الرعد: 3]. أي: أن على الإنسان مسئولية التفكر فيما يراه من حوله ليصل إلى لب الحقائق. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات... ﴾.