تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إما مضافا لاسم ظاهر:

ويحمل عرش ربك..

[الحاقة: 17]. وإما مضافا للضمير المخاطب أو الغائب:

وكان عرشه على المآء..

[هود: 7]. وإما مضافا للتنسيب:

فسبحان الله رب العرش عما يصفون

[الأنبياء: 7]. ويقول الحق سبحانه في نفس الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ وسخر الشمس والقمر.. ﴾ [الرعد: 2]. والتسخير هو طلب المسخر من المسخر أن يكون كما أراده تسخيرا، بحيث لا تكون له رغبة، ولا رأي، ولا هوى، والتسخير ضده الاختيار. والكائن المسخر لا اختيار له، أما الكائن الذي له اختيار فهو إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل. وقلنا قديما: إن الحق سبحانه قد خير الإنسان:

إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا

[الأحزاب: 72]. وبذلك قبل الإنسان أداء الأمانة وقت أدائها لا وقت تحملها، ووقت الأداء غير وقت التحمل، وضربت المثل بمن يقول لصديقه " عندي ألف جنيه وأخاف أن يضيعوا مني فاحفظهم لي معك وحين أحتاجهم اعطهم لي ". ويقول الصديق: " هات النقود وسأعطيها لك وقت أن تطلبها ". والصديق صادق وقت تحمل الأمانة لكن ظروفا تمر عليه، فيتصرف في هذه الأمانة وحين يطلبها صاحبها قد يعجز حامل الأمانة عن ردها، وهو بذلك ضمن نفسه وقت التحمل لكنه لم يضمن نفسه وقت الأداء. وكان من الواجب عليه أن يقول لصديقه لحظة أن طلب منه ذلك: " أرجوك، ابتعد عني لأني لا أضمن نفسي وقت الأداء ". وقد أبت السماء والأرض والجبال تحمل الأمانة وقت عرضها وقبلت كل منهم التسخير فلا الجبال ولا السماوات ولا الأرض لها قدرة الاختيار، ولا هوى لأي منها في هذه القدرة مثلها في ذلك مثل كل أجناس الكون ما عدا الإنسان ولم نجد فسادا في الأرض قد نشأ من ناحية المسخرات. أما الإنسان فقد قبل تحمل الأمانة لأن له عقلا يفكر ويختار ومن الاختيار ونتيجة للهوى جاء الفساد في الكون، ولو أقبل الإنسان على العمل وكأنه مسخر خاضع لمنهج الله لاستقام عمل الإنسان مثلما يستقيم عمل كل الكائنات المسخرة بأمر الله. فإن أردتم أن تستقيم أموركم فيما لكم فيه اختيار، فطبقوا قول الحق سبحانه:

ألا تطغوا في الميزان *وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان

[الرحمن: 8-9]. وانظروا ماذا يطلب الحق منكم في منهجه، فإن نفذتم المنهج تستقم أموركم، كما استقامت الكائنات المسخرة. ولا يأتي الخلل إلا من أننا نحن البشر نقوم ببعض الأعمال باختيارنا، وتكون مخالفة لمنهج المشرع، أما إذا كنا نؤدي أعمالنا ونضع نصب أعيننا قول الحق سبحانه:

ألا تطغوا في الميزان

[الرحمن: 8]. فلسوف تكون أعمالنا مطابقة لمنهج الله، وسنجد في أعمالنا ما يسرنا مثل سرورنا حين نجد الأفلاك منتظمة بدقة وحساب.

إذن: فالفساد لا يأتي إلا من الاختيار غير المرتجي لمنهج من خلق فينا الاختيار، وإن كنت تريد أن تكون مختارا فعليك أن تلتزم بمنهج من خيرك. ولذلك نجد الصالحين من خلق الله قد ساروا على منهج ربهم والتزموا باختيار مراد ربهم فيما لهم فيه اختيار فصاروا وكأنهم مسخرون لمرادات الله. وهؤلاء يسمونهم " العباد " لا " العبيد " فكل مملوك لله من العبيد آمن به أو كفر أطاع أو عصى أما العباد فهم من جعلوا مرادات الله هي اختيارهم، يقول تعالى:

وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما

[الفرقان: 63]. هؤلاء هم من اتجهوا بالاختيار إلى ما يختاره لهم الله. ونجد الحق سبحانه يقول في الملائكة:

عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون

[الأنبياء: 26-27]. وإذا ما التزم العبد بمنهج ربه في حال الاختيار فهو لا يتساوى مع الملائكة فقط، بل قد يسمو عنهم لأنهم مقهورون بالتسخير بينما تتمتع أنت بالاختيار وآثرت منهج ربك. ويقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨١٦