تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى..

[لقمان: 29]. ولحظة تجد التنوين مثل " كل " فهذه يعني كلا من السابق. أي: الشمس والقمر. أما الجري إلى أجل مسمى فيقتضي منا أن نفهم معنى الجري وهو تقليل الزمن عن المسافة. فحين تريد الوصول إلى مكان معين فقد تمشي الهوينا لتصل في ساعة زمن، وقد تجري لتقطع نفس المسافة في نصف ساعة والجري بطبيعة الحال ملحوظ ممن يراك. لكن: هل يرى أحدنا الشمس وهي تجري؟ لا، لأنها تجري في ذاتها ويسمى هذا النوع من الجري " جري انسيابي ". أي: لا تدركه بالعين المجردة، وهناك ما يسمى " انتقال قفزي " ، وهناك ما يسمى " انتقال انسيابي ". وانظر إلى عقارب الساعة ستجد عقرب الثواني أسرع من عقرب الدقائق الذي يبدو ساكنا رغم أنه يتحرك وأنت ترى حركة عقرب الثواني لأنها تتم قفزا بينما لا ترى حركة عقرب الدقائق لأنه يتحرك تبعا لدورة هادئة من التروس داخل الساعة وكل جزئية في حركة الترس الخاص بعقرب الدقائق تتأثر بحركة ترس عقرب الثواني والحركة القفزية لعقرب الثواني تتحول إلى حركة انسيابية في عقرب الدقائق. وحركة كل من العقربين تتحول إلى حركة أكثر انسيابية في عقرب الساعات، وهذا يعني أن كل جزئية من الزمن فيها جزئية من الحركة. وحتى في النمو بالنسبة للإنسان أو الحيوان أو النبات، تجد عملية النمو غير ظاهرة لك لأن الكائن الذي ينمو إنما ينمو بقدر بسيط غير ملحوظ، وهذا القدر البسيط شائع في اليوم كله.

وإن أردت أن تعرف هذه المسألة أكثر، انظر إلى الظل، وأنت ترى الظل واضحا ساعة سطوع الشمس، ثم ينحسر الظل بانحسار الشمس. واقرأ قول الحق سبحانه:

ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء لجعله ساكنا

[الفرقان: 45]. أي: أن الظل متحرك وغير ثابت، وكل جزئية من الزمن تؤثر في حركة الشمس، فيتأثر بها الظل. وهكذا يجب أن نفرق بين الحركة القفزية والحركة الانسيابية، وحين تقدمنا في العلم نجدهم يقولون: " سنزيد من الحركة الانسيابية عن الحركات القفزية ". وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى.. ﴾ [الرعد: 2]. والأجل هو المدة المحدودة للشيء وهي محدودة زمنا إن أردنا ظرف الزمان أو محدودة بالمسافة إن أردنا المكان. والمقصود هنا بالأجل إما الأجل النهائي لوجود الشمس والقمر ثم إذا انشقت السماء كورت الشمس، وانكدرت النجوم. أو: أن المقصود هنا بالأجل هو للتعبير عن عملها اليومي. وقد عرفنا أن هناك مطالع متعددة للشمس، وعلى الرغم من أن المشرق له جهة عامة واحدة لكن المطالع مختلفة، بدليل أن قدماء المصريين أقاموا في بعض المعابد طاقات وفتحات في البناء. فتطلع الشمس كل يوم من أحد هذه الطاقات فكل يوم توجد لها منزلة مختلفة عن اليوم السابق، وتظل تقطعها، ثم تعود مرة أخرى، وتفعل ذلك إلى أجل مسمى أي يوميا. ونسمي نحن تلك المنازل " البروج " كبرج الحمل والجدي والثور والأسد والسنبلة والقوس والحوت ونحن نرصد هذه الأبراج كوسيلة لمعرفة أحوال الطقس من حرارة، وبرودة، ومطر، وغير ذلك، ذلك أن كل برج له زمن، ويمكن تعريف أحوال الجو خلال هذا الزمن بدقة. ولكن بعضا من تصرفات الإنسان تفسد عملية التحديد الدقيق في الكون، مثلما يشعل البعض الحرائق في الغابات فتحرق النار الأكسوجين الذي يحتاجه البشر والحيوانات للتنفس، ويحاول الغلاف الجوي أن يتوازن، فيشد كميات من الهواء من منطقة أخرى، فيختل ميزان الطقس لأيام. وكذلك يفسد الجو من التجارب الذرية التي تجريها الدول أعضاء النادي الذري تلك التجارب التي تقوم بتفريغ الهواء، فتجعل الطقس غير مستقر وغير منضبط وهذا ما يفسد استخدامنا للأبراج كوسيلة لمعرفة تقلبات الطقس. وقد أوجز الشاعر تلك الأبراج في قوله:

حمل الثور جوزة السرطان

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨١٧