ولها عرش عظيم
[النمل: 23]. وقال:
أيكم يأتيني بعرشها..
[النمل: 38]. ثم قال:
نكروا لها عرشها..
[النمل: 41]. وقال:
أهكذا عرشك..
[النمل: 41]. وبالنسبة ليوسف قال سبحانه:
ورفع أبويه على العرش..
[يوسف: 100]. وإياك أن تأخذ الاستواء بالنسبة لله على أن معناه " النضج " لأن النضج إشعار بكمال سبقه نقص. ولذلك نجد العلماء المدققين قد علموا أن ذكر استواء الله على العرش قد ورد في سبعة مواضع بالقرآن الكريم وقالوا:
وذكر استواء الله في كلماته على
العرش في سبع مواضع فاعدد
ففي سورة الأعراف ثمة يونس
وفي الرعد مع طه فللعد أكد
وفي سورة الفرقان ثمة سجدة
كذا في الحديد افهمه فهم مؤيد
وقالوا في المعنى:
فلهم مقالات عليها أربعة
قد حصلت للفارس الطعان
وهي استقر وقد علا
وكذلك ارتفع ما فيه من نكران
وكذاك قد صعد الذي هو رابع
بتمام أمر من حمى الرحمان
والصعود إلى العرش هو حركة انتقال من وضع إلى وضع لم يكن فيه. وهكذا نجد أن المعاني التي تتمشى مع الاستواء في عرفنا البشري لا تتناسب مع كمال الله.
واختلف العلماء: قال واحد منهم: " سآخذ اللفظ كما قاله الله ". ونرد على هذا بسؤال: وهل يمكنك أن تغيب:
ليس كمثله شيء..
[الشورى: 11]. طبعا، لا أحد يستطيع ذلك، وعليك أن تأخذ كل فهم لشيء يخص الذات العلية في إطار:
ليس كمثله شيء..
[الشورى: 11]. ولذلك نجد أهل الدقة يقولون: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة ". فنحن نعلم معنى الاستواء ولكن كيفية استواء الله مجهولة بالنسبة لنا، والسؤال عن الكيفية بدعة لأن المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسألوا عن تلك الكيفية، رغم أنهم سألوا عن كثير من الأمور. وهناك آيات متعددة تبدأ بقول الحق سبحانه:
يسألونك..
[البقرة: 189]. وكان السؤال واردا بالنسبة لهم لكنهم بملكتهم العربية الفطرية قد فهموا الاستواء كشيء يناسب الله، فلم يسألوا عنه. وجاء السؤال من المتأخرين الذين تمحكوا، فقال واحد: سآخذ الألفاظ بمعناها فإن قال: إن له صعودا فهو يصعد، وإن قال: إن له استواء فهو يستوي. ولمن قال ذلك نرد عليه: إن ما تقوله صالح للأغيار، ولا يليق أن تقول ذلك عن الذي يغير ولا يتغير. وإذا سألت عن معنى كلمة " استواء " فهو " استتب له الأمر ". وهل كان الأمر غير مستتب له سبحانه؟ ونقول: نحن نعلم أن لله سبحانه وتعالى صفات متعددة، وهذه الصفات كانت موجودة قبل أن يخلق الله الخلق والكون فسبحانه موصوف أنه خالق قبل أن يخلق الخلق، ومعز قبل أن يخلق من يعزه، ومذل قبل أن يخلق من يذله، وله سبحانه صفات الكمال المطلق. وبهذه الصفات خلق الخلق، يقول الحق:
ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى
[طه: 50]. وكذا نؤمن بأن صفة الخلق كانت في ذاته قبل أن يخلق خلقه، وحين خلق سبحانه السماوات والأرض أبرز الصفة التي كانت موجودة فيه وليس لها متعلق فأوجد هو سبحانه المتعلق، وهكذا استتب له الأمر سبحانه. إذن: إذا ذكر استواء الله، فهذا يعني تمام المراد له، فصار للصفات التي كانت فيه، وليس لها متعلق أو مقدور متعلق ومقدور. وإذا وجدت هذه الصفة في البشر مثل بلقيس التي وصفها سبحانه:
ولها عرش عظيم
[النمل: 23]. فهي تختلف عن صفة الله لأنها لم تجلس على العرش إلا بعد أن خلقها الله، ولا يستتب الأمر لملك أو ملكة إلا بمتاعب ومعارك، وقد ينشغل هذا الشخص في معارك وحروب، ثم يستتب له الأمر. وهكذا يختلف استواء الله عن استواء خلق الله، وإذا ذكر استواء الله على العرش فنحن ننزه الله عن كل استواء يناسب البشر، ونقول:
ليس كمثله شيء..
[الشورى: 11]. واستواؤه هو تمام الأمر له، لأن أمره صادر، وعند تحقيق أمره في توقيته المراد له يكون تمام الأمر، وتمام الأمر استواؤه، أما كلمة " العرش " فنحن نجدها في القرآن بالنسبة لله.