تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما دام الحق سبحانه قد قال ذلك، فنحن نصدق ما قال. وقد أثبتت التحليلات صدق ما قاله سبحانه عن خلق الإنسان، فسبحانه قد خلق الكون أولا، ثم خلق السيد لهذا الكون وهو الإنسان، وكل الكون مسخر للإنسان ويخدم هذا الخليفة في الأرض، وكل ما في الكون يسير بنظام وانتظام. والمتمرد الوحيد في الكون هو الإنسان، فيأتي الحق سبحانه إلى هذا المتمرد ليجعل الآية فيه وليثبت صدق الغيب في الأرض. وأوضح سبحانه أنه خلق آدم من الطين والإنسان من نسل آدم الذي سواه الله، ونفخ فيه من روحه، وبعد ذلك أمر الملائكة من المدبرات أمرا ومن الحفظة أن تسجد للإنسان. وهذا السجود هو إعلان الطاعة لأمر الله بخدمة الإنسان. هذا الذي بدأت حكاية خلقه من تراب، ثم خلط التراب بالماء ليصير طينا ثم ترك قليلا ليصير حمأ مسنونا ثم يجف الحمأ المسنون ليصير صلصالا كالفخار ثم ينفخ فيه الحق بالروح. فإذا ما انتهى الأجل فأول ما ينقض هو خروج الروح ثم يتصلب الجثمان، وبعد أن يوارى التراب يصير الجثمان رمة ثم يتسرب الماء الموجود في الجثة إلى الأرض، وتبقى العظام إلى أن تتحول هي الأخرى إلى تراب. وهكذا يتحقق نقض كل بناء فما يبنى في نهاية أي بناء هو ما ينقض أولا، وهكذا يتأكد لنا صدق الحق سبحانه حين نرى صدق المقابل فيما أخبرنا به سبحانه عن كيفية الخلق. وعندما يخبرنا الحق سبحانه أن كيفية خلق السماوات والأرض ليست في متناولنا فقد أعطانا من قبل الدليل على صدق ما جاء به، فيما أخبرنا به عن أنفسنا. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: ﴿ الله الذي رفع السماوات بغير عمد.. ﴾ [الرعد: 2]. وكلمة " السماوات " في اللغة جمع، وفي آية أخرى، يقول سبحانه:

فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سمآء أمرها..

[فصلت: 12]. وقديما كانوا يقولون: إن المقصود بالسبع سماوات هو الكواكب السبعة: الشمس، والقمر، وعطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري. وشاء سبحانه أن يكذب هذا القول وأصحابه أحياء فرأى علماء الفلك كواكب أخرى مثل: نبتون وبلوتو وكان في ذلك لفتة سماوية لمن قالوا: إن المقصود بالسماوات السبع هو الكواكب السبعة. وقد قالوا هذا القول بحسن نية وبرغبة في ربط القرآن بالعلم لكنهم نسوا أن يدققوا الفهم لما في كتاب الله، فسبحانه قد أوضح أن الشمس والقمر والكواكب زينة السماء الدنيا، فما بالنا بطبيعة وزينة بقية السماوات؟ ويتابع سبحانه: ﴿ ثم استوى على العرش.. ﴾ [الرعد: 2]. وهذه قضية هي أهم قضية كلامية ناقشها علماء الكلام قضية الاستواء والعرش، وحتى نفهم أي قضية لا بد أن نحلل ألفاظها لنتفق على معانيها، ثم نبحثها جملة واحدة، لكن أن نجلس لنتجادل ونحن غير متواردين ومتفقين على فهم واحد فهذا أمر لا يليق.

ولننظر الآن معنى " الاستواء " ومعنى " العرش " ، ونحن حين نستقرئ كلمة " استوى " في القرآن نجدها قد وردت في آيات متعددة. وجاءت مرة واحدة بمعنى الاستواء. أي: النضج، في قول الحق سبحانه:

ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما..

[القصص: 14]. أي: أنه قد بلغ نضجه الكمالي، ويستطيع أن يكون رجلا صالحا لممارسة ما يبقي نوعه، وإن تزوج فلسوف ينجب مثله وهذا استواء لمخلوق هو الإنسان. ومرة أخرى يقول القرآن:

ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى

[النجم: 6-7] والمعنى هنا هو: صعد والمقصود هو صعود محمد وجبريل عليهما السلام إلى الأفق الأعلى. وهناك قوله الحق:

ثم استوى إلى السمآء فسواهن سبع سماوات..

[البقرة: 29]. أي: أنه سبحانه قد استوى إلى السماء وإياك أن تظن أن استواءه سبحانه إلى السماء مساو لاستواء البشر لأننا قلنا من قبل: إن كل شيء بالنسبة لله إنما نأخذه في إطار:

ليس كمثله شيء..

[الشورى: 11]. وبذلك يكون استواؤه سبحانه إلى السماء هو استواء يليق بذاته، والاستواء المطلق شيء مختلف عن الاستواء على العرش. وهكذا نجد استواء لغير الله من إنسان وهناك استواء لغير الله من إنسان ومن ملك وهناك استواء من الله إلى غير العرش. وبجانب ذلك هناك استواء على العرش. وقد ورد الاستواء على العرش في سبعة مواقع بالقرآن في: سورة الأعراف وسورة يونس والرعد، وطه، والفرقان، والسجدة، والحديد. وورد ذكر العرش في القرآن بالنسبة لله واحدا وعشرين مرة، وورد بالنسبة لبلقيس أربع مرات فهو القائل سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨١٤