وأنزل من السمآء..
[البقرة: 22]. ونعلم أن المطر إنما نزل من السحب التي تعلو الإنسان، وتبدو معلقة في السماء، وإذا أطلقت السماء انصرفت إلى السماء العليا التي تظلل كل ما تحتها. وحين أراد الناس معرفة كنه السماء، وهل لها جرم أم ليس لها جرم وهل هي امتداد أجواء وهواء؟ لم يتفق العلماء على إجابة. وقد نثر الحق سبحانه أدلة وجوده، وأدلة قدرته، وأدلة حكمته وأدلة صنعته في الكون ثم أعطاك أيها الإنسان الأدلة في نفسك أيضا وهو القائل سبحانه:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21]. وانظر إلى نفسك تجد العلماء وهم يكتشفون في كل يوم شيئا جديدا وسرا عجيبا، سواء في التشريح أو علم وظائف الأعضاء. وسوف تعجب من أمر نفسك، وأنت ترى تلك الاكتشافات التي كانت العقول السابقة تعجز عن إدراكها، وقد يدرك بعضها الآن، ويدرك بعضها لاحقا. وإدراك البعض للمجهول في الماضي يؤذن بأنك سوف تدرك في المستقبل أشياء جديدة. وإن نظرت خارج نفسك ستجد قول الحق سبحانه:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق..
[فصلت: 53]. ومعنى
سنريهم..
[فصلت: 53]. أن الرؤية لا تنتهي لأن " السين " تعني الاستقبال، ومن نزل فيهم القرآن قرءوها هكذا، ونحن نقرؤها هكذا، وستظل هناك آيات جديدة وعطاء جديد من الله سبحانه إلى أن تقوم الساعة. وسبحانه القائل:
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون
[غافر: 57]. وأنت حين تفكر في خلق السماوات والأرض ستجده مسألة غاية في الضخامة ويكفيك أن تتحير في مسألة خلقك وتكوينك وأنت مجرد فرد محدود بحيز، ولك عمر محدود ببداية ونهاية، فما بالك بخلق السماوات والأرض التي وجدت من قبلك، وستستمر من بعدك إلى أن تنشق بأمر الله، وتتكسر لحظتها النجوم. ولا بد أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، فالسماوات والأرض تشمل الكون كله. وحين تحدث عنها إياك أن تخلط فيها بوهمك أو بتخمينك لأن هذه مسألة لا تدرك في المعامل، ولا تستطيع أن تجري تحليلات لمعرفة كيفية خلق السماوات والأرض. ولذلك عليك أن تكتفي بمعرفة ما يطلبه منك من خلقها وماذا قال عنها، وتذكر قول الحق سبحانه:
ولا تقف ما ليس لك به علم..
[ الإسراء: 36]. وقد حجز الحق سبحانه عن العقول المتطفلة أمرين فلا داعي أن ترهق نفسك فيهما: الأمر الأول: هو كيفية خلق الإنسان وهل كان قردا في البداية ثم تطور؟ تلك مسألة لا تخصك، فلا تتدخل فيها بافتراضات تؤدي بك إلى الضلال. والأمر الثاني: هو مسألة خلق السماوات والأرض فتقول: إن الأرض كانت جزءا من الشمس، ومثل هذا الكلام لا يستند إلى وقائع. وتذكر قول الحق سبحانه:
مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم..
[الكهف: 51]. ولو كان الحق سبحانه قد أراد أن تعلم شيئا عن تفاصيل هذين الأمرين لأشهد خلقهما لبعض من البشر، لكنه سبحانه نفى هذا الإشهاد لذلك ستظل هذه المسألة لغزا للأبد ولن تحل أنت هذا اللغز أبدا بل يحله لك البلاغ عن الحق الذي خلق. وقد أوضح لك أنه قد خلقك من طين، ونفخ فيك من روحه، فاسمع منه كيفية خلقك وخلق الكون كله. ويدل الإعجاز البياني في القرآن على أن بعضا ممن يملكون الطموح العقلي أرادوا أن يأخذوا من القرآن أدلة على صحة تلك النظريات التي افترضها بعض من العلماء عن خلق الإنسان وخلق الأرض، فيبلغنا الحق سبحانه مقدما ألا نصدقهم. ويقول لنا:
مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا
[الكهف: 51]. والمضل هو من يضلك في المعلومات، هكذا أثبت لنا الحق سبحانه أن هناك مضلين سيأتون ليقولوا كلاما افتراضيا لا أساس له من الصحة. وأوضح لنا سبحانه أن أحدا لم يتلصص عليه، ليعرف كيفية خلق الشمس أو الأرض، ومن يدعي معرفة ذلك فهو من المضلين لأنهم قفوا ما ليس لهم به علم.