تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم

[الحج: 65]. فإذا كانت ممسوكة من أعلى فهي لا تحتاج إلى عمد، وقوله الحق: يمسك يعني أنه سبحانه قد وضع لها قوانينها الخاصة التي لم نعرفها بعد.

وقد قام العلماء المعاصرون بمسح الأرض والفضاء بواسطة الأقمار الصناعية وغيرها، ولم يجدوا عمدا ترفع السماوات أو تمسكها. والمهندسون يتبارون في عصرنا ليرفعوا الأسقف بغير عمد لكنهم حتى الآن ما زالوا يعتمدون على الحوائط الحاملة. وهكذا نعلم أنه سبحانه إما أنه حمل السماء على أعمدة أدق وألطف من أن تراها أعيننا ولذلك نراها بغير أعمدة، أو أنها مرفوعة بلا أعمدة على الإطلاق. و " عمد " اسم جمع - لا جمع - ومفردها " عمود " أو " عماد " وقد جاءت هذه الآية بمثابة التفسير لما أجمل في قول الحق سبحانه في سورة يوسف:

وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون

[يوسف: 105]. وجاء سبحانه هنا بالتفصيل فأوضح لنا أنه: ﴿ رفع السماوات بغير عمد ترونها.. ﴾ [الرعد: 2]. أي: لا ترونها أنتم بحكم قانون إبصاركم. ولا تعجب من أن يوجد مخلوق لا تراه لأن العين وسيلة من وسائل الإدراك، ولها قانون خاص فهي ترى أشياء ولا ترى أشياء أخرى. هذا بدليل أنك إذا نظرت إلى إنسان طوله متران يتحرك مبتعدا عنك تجد يصغر تدريجيا إلى أن يتلاشى من مجال رؤيتك لكنه لا يتلاشى بالفعل. وهذا معناه أن قانون إبصارك محكوم بقانون له مدى محدد. وهناك قوانين أخرى مثل: قانون السمع وقانون الجاذبية وقانون الكهرباء وكلها ظواهر نستفيد بآثارها، ولكنا لا نراها، فلا تعجب من أن يوجد شيء لا تدركه لأن قوى إدراكك لها قوانين خاصة. ويشاء الحق سبحانه أن يدلل على صدق ذلك بأن يجعل ما يكتشفه العلماء في الكون من أشياء وقوى لم تكن معروفة من قبل ولكننا كنا نستفيد منها دون أن ندري مما يدل على أن إدراك الإنسان غير قادر على إدراك كل شيء. وذلك يوضح لنا أن رؤيتنا للسماء مرفوعة بغير عمد نراها قد يعني وجود أعمدة مصنوعة بطريقة غير معروفة لنا أو هي مرفوعة بغير عمد على الإطلاق. وقول الحق سبحانه: ﴿ بغير عمد ترونها.. ﴾ [الرعد: 2]. هو كلام خبري، والمثل من حياتنا حين تقول لابنك: " أنا خارج إلى العمل وذاكر أنت دروسك " ، وبذلك تكون قد أوضحت له: " ذاكر دروسك " وهذا كلام خبري لكن المراد به إنشائي. وإبراز الكلام الإنشائي في مقام الكلام الخبري له ملحظ، مثلما تقول: " فلان مات رحمه الله " وقولك " رحمه الله " كلام خبري فأنت تخبر أن الله قد رحمه. على الرغم من أنك لا تدري: هل رحمه الله أم لا ولكنك قلت ذلك تفاؤلا أن تكون الرحمة واقعة به، وكان من الممكن أن تقول: " مات فلان يا ربي ارحمه " ، وأنت بذلك تطلب له الرحمة.

كذلك قول الحق سبحانه: ﴿ بغير عمد ترونها.. ﴾ [الرعد: 2]. أي: دققوا وأمعنوا النظر إليها، وابحثوا فيما يعينكم على ذلك إن استطعتم، وإذا لفتك المتكلم إلى شيء ليحرك فيك حواس إدراكك فمعنى ذلك أنه واثق من صنعته. والمثل من حياتنا - ولله المثل الأعلى، وسبحانه منزه عن أن يكون له مثل - حين تدخل لتشتري صوفا فيقدم لك البائع قماشا فتسأله: " هل هذا صوف مائة في المائة؟ " فيقول لك البائع: " نعم إنه صوف مائة في المائة، وهات كبريتا لنشعل فتلة منه لترى بنفسك ". ويوضح الحق سبحانه هنا: أن السماوات مرفوعة بغير عمد، وانظروا أنتم بمد البصر، ولن تجدوا أعمدة على هذا الامتداد، وضمان عدم وجود أعمدة متحقق لك ولغيرك على مدى أفق أي منكم. ولكل إنسان أفقه الخاص على حسب قدرة بصره، فهناك من تنطبق السماء على الأرض أمام عيونه فنقول له: أنت تحتاج إلى نظارة طبية تعالج هذا الأمر. فالآفاق تختلف من إنسان إلى آخر، وفي التعبير اليومي الشائع يقال: " فلان ضيق الأفق لا يرى إلا ما تحت قدميه ". ولقائل أن يقول: إن هذا يحدث معي ومع من يعيشون الآن ولا أحد يرى أعمدة ترفع السماوات فهل سيحدث ذلك مع من سيأتون من بعدنا؟ ونقول: لقد مسحت الأقمار الصناعية من الفضاء الخارجي كل مساحات الأرض ولم يجد أحد أية أعمدة ترفع السماء عن الأرض. وهذا دليل صدق القضية التي قالها الحق سبحانه في هذه الآية: ﴿ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها.. ﴾ [الرعد: 2]. والسماوات جمع " سماء " وهي كل ما علاك فأظلك، والحق سبحانه يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨١٢