وهكذا وصلنا القرآن كما أنزله الحق - سبحانه - على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. وهنا يقول الحق: ﴿ الر تلك آيات الكتاب المبين ﴾ [يوسف: 1]. و " تلك " إشارة لما بعد الر، وهي آيات الكتاب. أي: خذوا منها أن آيات القرآن مكونة من مثل هذه الحروف، وهذا فهم البعض لمعنى: ﴿ الر.. ﴾ [يوسف: 1]. لكنه ليس كل الفهم. مثل: صانع الثياب الذي يضع في واجهة المحل بعضا من الخيوط التي تم نسج القماش منها ليدلنا على دقة الصنعة. فكأن الله - سبحانه - يبين لنا أن ﴿ الر.. ﴾ [يوسف: 1] أسماء لحروف هي من أسماء الحروف التي نتكلم بها، والقرآن تكونت ألفاظه من مثل تلك الحروف، ولكن آيات القرآن معجزة، لا يستطيع البشر - ولو عاونهم الجن - أن يأتوا بمثله. إذن: فالسمو ليس من ناحية الخامة التي تكون الكلام، ولكن المعجزة أن المتكلم هو الحق - سبحانه - فلا بد أن يكون كلامه معجزا وإن كان مكونا من نفس الحروف التي نستخدمها نحن البشر. وهناك معنى آخر: فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطق أسماء الحروف " ألف لام راء " ، وهو صلى الله عليه وسلم الأمي بشهادة المعاصرين له بما فيهم خصومه، رغم أن القادر على نطق أسماء الحروف لا بد أن يكون متعلما، ذلك أن الأمي ينطق مسميات الحروف ولا يعرف أسماءها، وفي هذا النطق شهادة بأن من علمه ذلك هو ربه الأعلى. ويقول الحق - سبحانه: ﴿ الر تلك آيات الكتاب المبين ﴾ [يوسف: 1]. كلمة " الكتاب " عندما تطلق فمعناها ينصرف إلى القرآن الكريم. ونجد كلمة " المبين " ، أي: الذي يبين كل شيء تحتاجه حركة الإنسان الخليفة في الأرض، فإن بان لك شيء وظننت أن القرآن لم يتعرض له، فلا بد أن تبحث عن مادة أو آية تلفتك إلى ما يبين لك ما غاب عنك. ويروى عن الإمام محمد عبده أنه قابل أحد المستشرقين في باريس ووجه المستشرق سؤالا إلى الإمام فقال: ما دامت هناك آية في القرآن تقول:
ما فرطنا في الكتاب من شيء..
[الأنعام: 38]. فدعني أسألك: كم رغيفا ينتجه أردب القمح؟ فقال الإمام للمستشرق: انتظر. واستدعى الإمام خبازا، وسأله: كم رغيفا يمكن أن نصنعه من أردب القمح؟ فأجاب الخباز على السؤال. هنا قال المستشرق: لقد طلبت منك إجابة من القرآن، لا من الخباز. فرد الإمام: إذا كان القرآن قد قال:
ما فرطنا في الكتاب من شيء..
[الأنعام: 38]. فالقرآن قال أيضا:
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
[النحل: 43]. لقد فطن الإمام محمد عبده إلى أن العقل البشري أضيق من أن يسع كل المعلومات التي تتطلبها الحياة لذلك شاء الحق - سبحانه - أن يوزع المواهب بين البشر ليصبح كل متفوق في مجال ما، هو من أهل الذكر في مجاله.
ونحن - على سبيل المثال - عندما نتعرض لمسألة ميراث فنحن نلجأ إلى من تخصص في المواريث، ليدلنا على دقة توزيع أنصبة هذا الميراث. وحين يؤدي المسلم من العامة فريضة الحج، فيكفيه أن يعلم أن الحج فريضة ويبحث عند بدء الحج عمن يعلمه خطوات الحج كما أداها صلى الله عليه وسلم. وهذا سؤال لأهل الذكر، مثلما نستدعي مهندسا ليصمم لنا بيتا حين نشرع في بناء بيت، بعد أن نمتلك الإمكانات اللازمة لذلك. وهكذا نرى أن علوم الحياة وحركتها أوسع من أن يتسع لها رأس ولذلك وزع الله أسباب فضله على عباده، ليتكاملوا تكامل الاحتياج، لا تكامل التفضل، ويصير كل منهم ملتحما بالآخرين غصبا عنه. وبعد ذلك يقول الحق - سبحانه: ﴿ إنآ أنزلناه قرآنا عربيا... ﴾.