تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روى الامام احمد عن عدي بن حاتم:

" دخلت على رسول الله، فقال: " يا عدي أسلم: قلت: إني من أهل دين. قال: انا أعلم بدينكم منك... ألست من الركوسية: (دين بين الصابئة والنصرانية) وانت تأكل المرباع (والمرباع ما كان يأخذه رئيس القوم من الغنائم، وهو من عادات الجاهلية)؟ قلت: بلى قال: فإن هذا لا يحل لك في دينك. قال عدي: فتواضعت لما قالها... فقال: أتعرف الحيرة يا عدي؟ قلت: لم أرها، ولكن سمعت بها. قال: فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الدين حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار احد، لتفتحن كنوز كسرى بن هرمز. قلت: كنوز كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يعيله احد ".

قال عدي بعد ذلك: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار احد، ولقد كنت في من فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة. يعني كثرة المال.

فوعد الله حق، والله يقول:

إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم

[محمد: 7].

9.34-35

يأكلون اموال الناس: يأخذونها بغير حق وبطرق غير مشروعة. يصدون عن سبيل الله: يمنعون الناس عن معرفة الحقيقة. يكنزون الذهب والفضة: يخزنونها.

بعد ان بين الله تعالى في الآيات السالفة كيف بدل اليهود والنصارى ديانتهم واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، بين هنا سيرة كثير من هؤلاء الرؤساء الدينيين في معاملاتهم مع الناس، ثم أوعد الباخلين الذين يكنزون الذهب والفضة في خزائنهم ولا ينفقون منها في سبيل البر والخير - واعدهم بالعذاب الأليم في نار جهنم.

﴿ يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ﴾.

يا ايها المؤمنون: اعلموا أن كثيرا من علماء اليهود ورهبان النصارى يستحلون أكل أموال الناس بغير حق، ويستغلون ثقة الناس فيهم واتباعهم لهم في كل ما يقولون، ويصدون الناس عن الدخول في الاسلام، ويحملونهم على الطعن فيه بما يبثونه من تعاليم تخالف الواقع.

وقوله تعالى: ﴿ إن كثيرا من الأحبار والرهبان ﴾ فيه دقة واحتراز، فإن بينهم من لا يأكل أموال الناس ولا بد من أفراد في أية جماعة من الناس فيهم بقية خير.

وأخذ اموال الناس بغير حق شرعي له طرق عديدة، منها الرشوة لأجل الحكم والمساعدة على إبطال حق او إحقاق باطل. وهي حرام على كل من أخذها سواء اكان من الرؤساء الدينيين أو من الموظفين والحكام...

وكذلك الربا، فإنه من اكبر الفواحش. ومنها أخذ المال جعلا على مغفرة الذنوب، ومنها أخذ الأموال على الفتاوى لتحليل الحرام وتحريم الحلال. وهذا من أشد الذنوب واكبر الكبائر، كما قال تعالى مخاطبا اليهود:

قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون

[الأنعام: 91].

﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ﴾.

والذين يجمعون الأموال من جميع أصنافها ويكنزونها في خزائنهم، ولا ينفقون منها في سبيل الله بأن يخرجوا زكاتها، ويتصدقوا منها لبناء المدارس والمتشفيات، ودور الأيتام والدفاع عن الوطن والعقيدة - فهؤلاء أنذرهم ايها الرسول الكريم بعذاب موجع.

وقد وردت عدة روايات عن الصحابة والعلماء المجتهدين أن المال الذي تؤدى زكاته ليس بكنز، وهذا صحيح. ولكن هناك واجبات أخرى تستلزمها الضروة فيجب على اصحاب الاموال ان يشاركوا فيها مثل الجهاد وبناء المدارس والمساجد والمصحات وغير ذلك، والذي يدخل تحت قوله تعالى:

وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم

[الذاريات: 19].

﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾.

تيسير التفسير · الصفحة ٤٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تيسير التفسيرص ٤٣١