9.115-116
قيل مات قوم من المسلمين على الاسلام قبل ان تنزل الفرائض، فقال بعض الصحابة: يا رسول الله، إخواننا الذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم عند الله؟ فنزل قوله تعالى:
﴿ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ﴾.
ما كان من سنن الله ولطفه بعباده ان يصف قوما بالضلال، ويجزي عليهم أحكامه بالذم والعقاب، بعد ان هداهم للإسلام.
﴿ حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ من الأقوال والافعال بيانا واضحا.
﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾.
انه تعالى عليم بجميع الاشياء، محيط علمه بكل شيء.
﴿ إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾.
ان الله وحده مالك السماوات والأرض وما فيها، وهو المتصرف فيهما بالإحياء والإماتة، وليس لكن سوى الله من ولي يتولى امركم، ولا نصير ينصركم.
9.117-119
العسرة: الشدة والضيق وسميت غزوة تبوك غزوة العسرة لما كا فيها من شدة وضيق وحاجة. يزيغ: يميل. بما رحبت: بما وسعت على اتساعها. ظنوا: معناها هنا اعتقدوا.
بعد ان استقصى الله احوال المتخلفين عامة من غزوة تبوك، عاد مرة اخرى الى الكلام في توبتهم.
﴿ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ﴾.
لقد تفضل الله سبحانه عل نبيه وأصحابه المؤمنين الصادقين من المهاجرين والانصار الذين خرجوا معه الى الجهاد في وقت الشدة. وقد سميت غزوة تبوك غزوة العسرة لعسرة المسلمين ماديا إبان ذلك. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: عسرة الظهر، يعني عدم وجود ما يركبون عليه، وعسرة الزاد، وعسرة الماء.
﴿ من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم.... ﴾.
لقد تاب عليهم فثبتهم وصانهم عن التخلف من بعد ما اشتد الضيق بفريق منهم، حتى كادت قلوبهم تميل الى التخلف. وكان الله بهم رؤوفا رحيما.
وتوبة الله على عباده هي توفيقهم للتوبة وقبولها منهم. وقد كرر التوبة ههنا للتأكيد على قبولها عند الله.
﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ﴾.
لقد تفضل الله تعالى بالعفو عن الثلاثة الذين تخلفوا عن الخروج للجهاد في غزوة تبوك ولم يكن تخلفهم عن نفاق. وهو يعلم أنهم مؤمنون صادقون. لذا كانت توبتهم خالصة، وندمهم شديدا حتى شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم على سعتها، وضاقت عليهم نفوسهم هما وحزنا. لقد علموا انه لا ملجأ من غضب الله الا بالرجوع إليه، وحينئذ هداهم الى التوبة، وعفا عنهم، فهو التواب الرحيم.
والثلاثة الذين خلفوا هم: كعب بن مالك وهلال بن امية، ومرارة بن الربيع، وجميعهم من الانصار. وكان كعب بن مالك من أكابر الشعراء ومن الصحابة الصادقين وأحد المنافحين عن النبي الكريم بشعره. وقد روى البخاري ومسلم قصته بالتفصيل. قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله في غزوة غزاها الا في دبر وتبوك، والرسول لم يعاتب احدا تخلف عن غزوة بدر.
وكنت وقت غزوة تبوك في حالة جيدة من المال والصحة، عندي راحلتان. وقد بقيت أغدو وأروح لأتجهز فلم أوفق، وظللت أتعلل باني قادر وسوف ابتعهم. ولما رجع رسول الله عن الغزوة وجلس للناس جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون اليه، ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم عذرهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم الى الله. فجئته أنا، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: ما خلفك؟ الم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقلت بلى، اني والله لو جلست عند غيرك من اهل الدنيا، لرأيت ان سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله قد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله ان يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، اني لأرجو فيه عفو الله.